في ظل إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد، وانتقال مركز الثقل العالمي من صرامة “القوة الصلبة” العسكرية إلى مرونةِ “القوة الناعمة” الإدراكية، يبرزُ تساؤل جوهري حول ماهية “الأدوات السيادية” التي تمتلكها الأمم لضمان بقائها وتأثيرها.
ولهذا ينبغي أن نؤصل لفكرةِ أن القوة الناعمة لأية أمةٍ أمست لا تُقاس بترسانتها الإعلامية أو ملاءتها المالية، بل بمدى قدرتها على تصدير “نموذجٍ إنساني” ملهم يمتلك الجاذبيةِ والشرعية.
ومن هنا يبرز مفهوم “جيوبوليتيك الأنوثة” كملكيةِ فكريةِ نابعةِ من خصوصيتنا الحضارية؛ حيث لا تُعد المرأة العربية مجرد عنصر ديموغرافي تكميلي، بل تعد فاعلًا استراتيجيًّا قادرًا على إعادة “هندسة الصورة الذهنية” للأمة العربية وسط صراع “الإرادات الدولية”.
لأن المتفحص في هذا الدور يجدُ أنه يتجاوز الأطر التقليديةِ للمشاركةِ المجتمعية ليصل إلى عمق صناعة “الهوية الوطنية” وفرضها كرقم لا يستهان به في معادلات التوازن الدولي.
إننا اليوم نعيش حالةً من “الانكشاف الاستراتيجي” الحاد، حيث تخترق “الخوارزميات” العابرة للحدود أدق تفاصيل “الوعي الجمعي” و”الفكر الوجداني”، موجهةً سهامها نحو “المنظومة الإدراكية” للمرأة تحديدًا؛ سعيًا لتنميطها وفق قوالب استهلاكية تُفرّغها من محتواها القيمي العربي الرصين.
حتى يتحول دورها من “حارس للوعي” وثغور الأمة الفكرية، إلى فاعلٍ اجتماعي – أو مفعول به كلاهما سواء - في الفعاليات والاحتفالات.
إن المرأةَ الواعية سياسيًّا هي “الرادار السيادي” الذي يكتشف محاولات التغلغل الثقافي، كونها وبمفردها حائط الصد القادر على تحويل الأسرةِ من وحدةٍ اجتماعيةٍ غير مؤثرة إلى “ترسانةٍ استراتيجية” ترفدُ الوطن بعناصرٍ تمتلك الثبات الإدراكي والمناعة ضد حروب “الجيل الخامس” وتزييف الوعي.
إن هذا الوعي النسوي ذا “الأطروحات الفكرية” هو القادر على صياغة حوائط المناعة الفكرية والعزل السياسي المنيع ضد محاولات الاستلاب الرقمي والانصهار الفكري التي تستهدف تذويب الخصوصية الثقافية العربية تحت مسميات “العولمة” الزائفة.
بيد إن هذه الريادة الاستراتيجية لا يمكن أن تتحقق بمعزلٍ عن “هندسة التنشئة” الصارمةِ والواعية في مناشط الحياة كافة.
وينبغي هنا نشير إلى أن المعضلة الكبرى التي واجهت مشاريع التحديث السابقة تكمن في إهمال الجانب التنموي الخاص بإعداد المرأة منذ مراحلها العمرية الأولى لمواجهة هذه التحديات الجسيمة.
فنحن اليوم في أمس الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ “حوكمة التنشئة”؛ وهي عملية إعدادٍ هيكليةٍ تتجاوز مفهوم الرعاية البيولوجية إلى “صناعة المرأة القائد”.
هذا الإعداد الذي يتطلب زرع قيم المبادأة، والتفكير النقدي، والوعي بالمتغيرات الجيوسياسية في وجدان الفتاة العربية، لضمان بناء شخصية قيادية أنثويةٍ تمتلك الأدوات المعرفية التي تؤهلها للتعامل مع تعقيدات السياسة الدولية بغير خللٍ ولا إخلالٍ بأنوثتها ورعاية مصدر جمالها وعزتها.
إن التنشئة التي نزرعها اليوم وحدها هي الكفيلة بتحويل المرأة من دور “المعاون” إلى دور “الموجه الاستراتيجي” القادر على إدارة ملفات الحوكمة والدبلوماسية بكفاءةٍ واقتدار، وهو ما يصب في جوهر مشروعات الدول العربية في التنمية المعاصرة وتمكين المرأة الحقيقي في مواقع صناعة القرار الاستراتيجي.
وعلى صعيد التأثير الخارجي، فإن حضور المرأة العربية في المحافل الدولية بوعي وطني أصيل يمثل أرقى تجليات “الدبلوماسية الشعبية” وأكثرها نفاذًا في الوعي العالمي.
كونها تمتلك المقدرة الأدائية لكسر القوالب النمطية المشوهة التي يروجها “الإعلام المأجور”، وتقديمُ سرديةٍ عربيةٍ معاصرةٍ تزاوج بعبقريةٍ بين الأصالة القيمية والحداثة الإبداعية.
مقولٌة أخيرة، إن “جيوبوليتيك الأنوثة المعاصرة” ليست مجرد ترف فكري، بل استحقاق واستنهاض تاريخي لنهضة الأمة التي تبدأ من تأميم الوعي وتوطينه، وينتهي بفرض السيادة العربية في خارطة القوى العالمية الجديدة، برهان استراتيجي على أن المرأة العربية هي القادرة على استعادة المبادأة التاريخية؛ فمن خلال حوكمة التنشئة، نصنع درعًا يحمي المكتسبات ويقدم للعالم نموذجًا حضاريًّا يجمع بين سمو الروح وعمق التفكير الاستراتيجي، حيث تُصنع العقول، وتُحرس القيم، وتُبنى الأوطان من داخل حصونها المنيعة.
حصون الوعي والإدراك.
*خبير في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك