في عالم يتسم بتسارع التغيرات وتزايد حالات عدم التأكد، لم تعد الأزمات أحداثًا استثنائية يمكن التعامل معها بأساليب تقليدية أو بردود فعل مؤقتة.
فقد أصبحت الأزمات، بمختلف أشكالها التقنية والتشغيلية والاقتصادية، اختبارًا حقيقيًّا لمدى جاهزية المؤسسات، ونضج قياداتها، وقدرتها على التحرك بوعي ومنهجية في أوقات الضغط.
وتتطلب إدارة الأزمات نمطًا قياديًّا مختلفًا يقوم على الاستباق، والمرونة، وسرعة اتخاذ القرار، بل والقدرة على ابتكار حلول تحاكي طبيعة الأزمة أو المشكلة.
فالقائد في هذه المرحلة لا يسعى إلى تجنب الأزمات بقدر ما يعمل على إدارتها بوعي استراتيجي يضمن استمرارية الأداء وحماية المكتسبات المؤسسية.
وفي هذا السياق، تبرز القيادة الريادية بوصفها إطارًا متكاملًا لإدارة الأزمات يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة هي القيادة، والابتكار، والاستدامة.
وتشكل هذه المرتكزات منظومة عمل مترابطة تسهم في تحويل التحديات الطارئة إلى فرص للتعلّم والتطوير المؤسسي، بدلًا من أن تكون مصدرًا للارتباك أو التعطّل.
وتمثل القيادة المرتكز الأول في هذه المنظومة، إذ تتجلى أهميتها في القدرة على الحسم، وبناء الثقة، وتوضيح الأولويات في ظل ضغوط عالية وغموض متزايد.
فالقيادة هنا لا تقتصر على إصدار التعليمات، بل تتمثل في توجيه الفرق، وتحمل المسؤولية، واتخاذ قرارات قد لا تكون مفهومة للوهلة الأولى، لكنها ضرورية لضبط مسار الاستجابة وتحويل الارتباك إلى فعل منظم، والخوف إلى التزام جماعي.
وفي المقابل، لا يُنظر إلى الابتكار في إدارة الأزمات بوصفه ترفًا تنظيميًّا، بل كأداة ضرورية لضمان استمرارية العمل بانسيابية وكفاءة، وتعزيز قدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات المتوقعة والمفاجئة.
ويأخذ الابتكار في هذا السياق طابعًا عمليًّا يقوم على إعادة تصميم الإجراءات، وتبسيط المسارات، واستثمار الموارد والتقنيات المتاحة بطرق غير تقليدية، تتناسب مع قيود الوقت وضغوط العمل، بما يسمح للمؤسسة بالتحرك بمرونة وتقليل الخسائر.
أما الاستدامة، فتتجاوز فكرة احتواء الأزمة مؤقتًا لتشمل الحفاظ على توازن المؤسسة وقدرتها على الاستمرار بعد انقضاء الأزمة دون إنهاك مواردها أو إضعاف كفاءاتها.
وتتحقق الاستدامة من خلال قرارات تراعي الأثر طويل المدى، وتحافظ على رأس المال البشري، وتعيد بناء العمليات بأسلوب يعزز الجاهزية، ويقلل من حدة تأثير وارتداد الأزمات الخارجية عند وقوعها.
ورغم تطور مفاهيم إدارة الأزمات وتوفر الأطر التنظيمية الداعمة لها، إلا أن التحدي الحقيقي غالبًا ما يكمن في آلية القيادة واتخاذ القرار أثناء لحظة الأزمة ذاتها.
ففي البيئات المؤسسية المعقدة، قد يؤدي تردد القيادة، أو تعدد مراكز القرار، أو ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، إلى إبطاء الاستجابة وارتفاع كلفة الأزمة، حتى إن كانت الموارد متاحة.
كما يشكل غياب الصلاحيات الواضحة، أو الخوف من تبعات القرار، أحد أبرز العوائق أمام التحرك السريع والفعال.
وفي خضم هذه التحديات، يتضح أن أحد أهم مفاتيح نجاح إدارة الأزمات يكمن في وجود نظام حوكمة واضح يحدّد الإجراءات، ويفوّض الصلاحيات، ويضبط مسارات اتخاذ القرار، ليشكّل بذلك خارطة طريق عملية للتعامل مع الأزمة أو المشكلة.
ففي غياب الحوكمة، تميل القرارات إلى التردد، ويتحوّل الخوف من تحمّل المسؤولية إلى عائق أمام الاستجابة السريعة.
أمّا عندما تكون الحوكمة حاضرة، فإنها لا تنظّم العمل فحسب، بل تحمي صاحب القرار، وتحوّل المسؤولية من عبء فردي إلى التزام مؤسسي مشترك.
ولا تكتسب الحوكمة قيمتها الحقيقية بوصفها إطارًا تنظيميًّا مكتوبًا، بل من خلال قدرتها على التحوّل إلى آلية عمل فاعلة لحظة وقوع الأزمة، حيث تنتقل من كونها مرجعًا إجرائيًّا إلى أداة تشغيلية توجّه القرار وتضبط الاستجابة، خصوصاً في الأزمات التقنية التي تتطلب تنسيقًا عاليًا وسرعة في التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الأزمات التقنية من زاوية مختلفة عند النظر إلى كيفية إدارة الحدث من داخل المؤسسة نفسها.
ففي حالات الاختراق السيبراني، لا يبدأ التحدي من طبيعة الهجوم بقدر ما يبدأ من طريقة توجيه الاستجابة.
وهنا يبرز دور القيادة المختصة بالأمن السيبراني في تفعيل خارطة الطريق التي تضعها الحوكمة، وتحديد من يقرر، ومن ينفّذ، وكيف تُدار البيانات والمعلومات، دون ارتباك أو تضارب.
ويتجسد ذلك عمليًّا في الحسم السريع وتوجيه الفرق الفنية وضبط مسار التواصل الداخلي والخارجي بما يمنع تضخيم الأزمة أو سوء تقديرها، إلى جانب تبنّي حلول تقنية وإجرائية مرنة، مثل عزل الأنظمة المتأثرة، وإعادة ترتيب الأولويات، والاستفادة من البدائل المتاحة لضمان استمرار العمل دون توقف.
أما على المدى الأبعد، فتتحول الأزمة نفسها إلى فرصة مراجعة وتعلّم مؤسسي، عبر تقييم الثغرات وتحديث الإجراءات وتعزيز الجاهزية المستقبلية، بما يقلل من أثر أزمات مشابهة لاحقًا، حتى إن تعذّر منع وقوعها.
وتؤكد التجارب الواقعية في إدارة الأزمات أن النجاح لا يرتبط بغياب الأزمات بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على التعامل معها بوعي منهجي ونضج قيادي.
فالأزمات، سواء كانت تقنية أو تشغيلية أو ذات مصدر خارجي، تكشف بوضوح مستوى الجاهزية المؤسسية، وفعالية الحوكمة، وقدرة القيادة على التحرك ضمن إطار واضح يحمي القرار ويمنع الارتباك.
وعندما تتكامل القيادة الريادية مع الابتكار العملي والاستدامة المؤسسية، تتحول إدارة الأزمة من رد فعل مؤقت إلى ممارسة واعية تقلل من آثارها وتحافظ على استمرارية الأداء.
ومن هذا المنطلق، تبرز منظومة القيادة الريادية في إدارة الأزمات بوصفها خيارًا استراتيجيًّا لا غنى عنه لمؤسسات القطاعين العام والخاص، تقوم على وضوح الأدوار وتفويض الصلاحيات، مع تفعيل الحوكمة بوصفها خارطة طريق للعمل في أوقات الضغط وحالات عدم التأكد.
فالأزمات ستظل جزءًا من واقع العمل المؤسسي، غير أن الفارق الحقيقي تصنعه القدرة على إدارتها بعقلية ريادية واعية، تحوّل التحديات إلى فرص للتعلّم، وتعزّز الثقة، وتبني جاهزية مؤسسية أكثر صلابة واستدامة للمستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك