وضع الإعلامي المخضرم الصديق سامي هجرس اصبعه على جرح غائر في جسد برامجنا الحوارية خلال إطلالته ببودكاست “حكاية”؛ حين انتقد تحول الحوار إلى مجرد “طرح أسئلة” معلب، يفتقر لعمق المناقشة.
وتساءل بمرارة: “كيف أستضيف دكتورًا وأسأله في صميم تخصصه دون محاورة حقيقية؟ إننا نفتقد من يعلم كيف تُدار دفة الحوار”.
ما طرحه سامي هجرس بمثابة روشتة إصلاحية يتوجب على كل مذيع ومذيعة استيعابها، فالحوار التلفزيوني أو الإذاعي الناجح ليس “وظيفة” تؤدى، بل هو فن يعتمد بالدرجة الأولى على الموهبة؛ تلك الهبة الربانية التي لا يمكن استبدالها بأحدث التقنيات أو الديكورات الضخمة.
وعلى ذكر مهارة الإمساك بزمام الميكروفون، استوقفني قبل أيام مذيع بنشرة أخبار موجزة في إحدى الإذاعات الخليجية؛ كان مبهرًا بتركيزه وقدرته على لفت الانتباه رغم ضيق الحيز الزمني، وهنا تكمن الاحترافية؛ أن تمنح الخبر “روحًا” لا مجرد “صوت”.
إن المذيع الحقيقي هو “مثقف” قبل أن يكون “مقدمًا”؛ لذا لابد من توافر درجة عالية من سرعة البديهة والعمق الثقافي، والابتعاد عن فخ الأسئلة المشتتة أو المقاطعات الفجة التي تبتر أفكار الضيف.
الاحترافية تعني أن يكون المذيع “جسرًا” يعبر من خلاله المشاهد نحو الحقيقة، لا “عائقًا” يمارس الاستعراض الصوتي.
المذيع ليس مجرد ناقل للأسئلة، بل هو مدير لوعي المشاهد، فإذا فُقدت مهارة “إدارة الحوار”، تحولت الشاشة إلى مجرد ضجيج لا يسمن ولا يغني من معرفة.
إنَّ ميكروفون الإذاعة أو الشاشة أمانة مهنية، لا يصونها إلا مذيعٌ يقدّس الثقافة، ويحترم وعي الجمهور بمهاراتٍ حوارية استثنائية وعميقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك