في ظل حالة من عدم اليقين حول شكل التحرك الأميركي تجاه إيران، يبرز سيناريو حرب محددة المدة تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو ما يوجب قراءة هذا السيناريو من منظور الخاسرين والرابحين في حال تحقق هذا السيناريو.
جميعنا ندرك أن سقوط النظام الإيراني، إن حدث، لن يكون مجرد تحول داخلي يطال بنية الحكم في طهران، بل سيشكل لحظة مفصلية ذات تداعيات إقليمية ودولية عميقة، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الجغرافيا الإيرانية، فالنظام الإيراني لم يكن فاعلاً محلياً فقط، بل شكل على مدى عقود مركز ثقل لشبكة نفوذ إقليمية واسعة، قامت على دعم تنظيمات مسلحة وميليشيات عابرة للحدود، اعتمدت في بقائها وفاعليتها على التمويل والتسليح والتوجيه السياسي القادم من طهران.
ومع غياب هذا المركز، ستدخل هذه الشبكات في حالة فراغ استراتيجي قد تقود إما إلى تفككها، أو إلى تحولها إلى كيانات متنازعة تبحث عن رعاة جدد، وهو ما يفتح الباب أمام موجات جديدة من الفوضى في ساحات مثل العراق واليمن ولبنان.
على المستوى الدولي، سيكون سقوط النظام الإيراني اختباراً قاسياً لحلفائه الرئيسيين، ولا سيما روسيا والصين.
فموسكو، التي وقعت مع طهران اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة في مطلع عام 2025، ستجد نفسها أمام تآكل ملموس في صورتها كقوة قادرة على حماية شركائها الإقليميين، خصوصاً إذا جاء الانهيار دون تدخل روسي مباشر أو دعم سياسي فاعل، وهذا العجز سيترجم إلى خسارة في الرصيد الجيوسياسي الروسي في الشرق الأوسط، ويعزز الشكوك حول حدود النفوذ الروسي خارج فضائه التقليدي.
أما الصين، فستكون تداعيات السقوط عليها أكثر تعقيداً، فإيران ليست مجرد شريك اقتصادي لبكين، بل تمثل جزءاً من مشروع صيني أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي عبر أطر بديلة، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة" بريكس"، وفشل هذه الأطر في حماية أحد أعضائها أو التأثير في مسار الأزمة سيقوض الخطاب الصيني حول تعددية الأقطاب، ويكشف هشاشة هذه المنظومات في لحظات الاختبار الفعلي.
في المقابل، إذا انتهى الصراع بتدخل أميركي ناجح أو بحسم تقوده الولايات المتحدة، فإن ذلك سيعيد الاعتبار للدور الأميركي كقوة قادرة على فرض وقائع استراتيجية، رغم كل النقاشات حول تراجع نفوذها العالمي، وسيضعف هذا السيناريو السرديات التي راهنت على أفول الهيمنة الأميركية، ويعيد تثبيت نموذج القيادة الأحادية، ولو بصورة مؤقتة.
إقليمياً، ستكون باكستان من أكثر الدول تأثراً بانهيار النظام الإيراني، بحكم الحدود الطويلة التي تربط البلدين، ووجود مجتمع شيعي كبير داخل باكستان قد يتفاعل عاطفياً وعقائدياً مع الحدث، وهذا التفاعل قد يتحول إلى توترات طائفية داخلية، أو إلى احتجاجات تستنزف الدولة في لحظة تعاني فيها أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية حادة، كما أن احتمال تسلل عناصر من النظام الإيراني المنهار إلى الأراضي الباكستانية، أو تدفق موجات لجوء واسعة، سيضع إسلام آباد أمام تحديات أمنية إضافية، ويدفعها إلى الانخراط في أزمة لم تكن ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
سقوط النظام الإيراني لن يكون مجرد نهاية نظام سياسي، بل بداية مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمعادلات الثقة والتحالف في الإقليم والنظام الدولي، وستخرج قوى كبرى مثل روسيا والصين بسمعة مهزوزة، بينما ستُضطر دول الجوار إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية، وبناء توازنات جديدة تمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، وستكون هذه اللحظة اختباراً حقيقياً لقدرة الإقليم والعالم على إدارة مرحلة ما بعد الانهيار دون الانزلاق إلى فراغ مدمر أو صراعات مفتوحة بلا أفق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك