واختلفت الروايات حول تاريخ موائد الرحمن وأول من أقامها في العصر القديم؛ فهناك من أعاد بدايتها لعهد الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- أو عصر الليث بن سعد، أو أحمد بن طولون، أو هارون الرشيد، أو عهد المعز لدين الله الفاطمي.
ورغم حالة الخلاف والجدال بين خبراء التاريخ والمؤرخين حول أحقية فكرة موائد الرحمن، إلا أنه من الثابت تاريخيا أن تلك الفكرة بدأت في عصر سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث كان يرسل وجبات الإفطار والسحور مع بلال بن رباح لأهل" الطائف"، وذلك عندما زارهم في شهر رمضان الكريم.
ومن بعده أخذ الفكرة الخلفاء الراشدون والصحابة وأهل بيته، وفيما بعد أسس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب دارا لإفطار الصائمين باسم" دار الضيافة".
أما عن مصطلح" مائدة الرحمن"، فقد ظهر بكثرة في عهد شيخ الإسلام الليث بن سعد بن عبد الرحمن، حيث كان فقيها من الأثرياء، لا يأكل سوى الفول في شهر رمضان، ولكنه حرص على تقديم أشهى أنواع الأطعمة المختلفة للصائمين من خلال مائدة يقيمها خلال الشهر الكريم؛ وكان محبا لعمل الخير، وكان يساعد الفقراء والمساكين، وهنا جاء المسمى الحقيقي للمائدة على اسم جده" عبد الرحمن".
وبعض المؤرخين رجح عودة تاريخ موائد الرحمن في مصر إلى عهد أحمد بن طولون، ويقولون بأنه أول من أقامها، وكان يقوم بجمع كبار التجار والأعيان في مصر في أول يوم من شهر رمضان على الإفطار، ثم يلقي عليهم خطبة يذكر لهم فيها أن الغرض من المائدة هو أن يذكرهم بالإحسان والبر بالفقراء والمساكين.
ثم جاء عصر هارون الرشيد والخلافة العباسية، وكان يقيم موائد الرحمن بحدائق قصره، وكان يتجول بين الموائد متنكرا؛ ليسأل الصائمين عن رأيهم في جودة وكفاءة الطعام ليردوا بصدق دون مجاملة.
وهناك من يرى بداية أخرى؛ فعقب دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي مصر في شهر رمضان، قرر هو الآخر أن يقيم الولائم والموائد الرمضانية لشعب مصر، وكان يأمر الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان بعمل تلك الموائد، وأطلق عليها اسم" سماط الخليفة"، وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون مخزونا كبيرا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان، وكانوا يطلقون اسم" دار الفطرة"، وكانت تصنع أيضا كعك العيد الذي سيتم توزيعه آخر يوم رمضان.
ومع بداية مصر الحديثة، وطيلة عهد دولة أسرة محمد علي باشا، كان لموائد الرحمن دور مهم في القصر؛ ففي عهد الملك فاروق، كان يسمح بإقامة موائد الرحمن داخل قصر عابدين، ليستقبل العمال والفلاحين وعموم الشعب المصري.
بعد ذلك خصص الملك عددا من المطاعم المنتشرة في القاهرة لتكون مائدة طعام للفقراء والمحتاجين، لتتولى الإدارة الملكية دفع قيمة مأكولات الإفطار والسحور، وبعد ثورة 23 يوليو 1952، وتحديدا عام 1967 ميلادية، أنشئ بنك ناصر الاجتماعي؛ ليشرف على تمويل موائد الرحمن من أموال الزكاة.
وكانت موائد الرحمن تتركز قديما بجوار المساجد العريقة مثل مسجد الحسين، والسيدة زينب، والأزهر؛ وذلك لتوافر أعداد كبيرة من التجار في هذه المناطق، لكن مع مرور السنوات بدأت بعض الهيئات في مصر في توفير موائد الرحمن مثل وزارة الأوقاف والجمعيات الخيرية والأهلية، كما تشرف وزارة الصحة على مراقبة ما يقدم في هذه الموائد من أطعمة ومشروبات حرصا على سلامة المترددين عليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك