قبل أسابيع من الدورة الأولى للانتخابات البلدية في فرنسا، شهدت الساحة السياسية المحلية توتراً متصاعداً عقب مقتل كونتان دورانك الشاب الفرنسي المحسوب على تيار أقصى اليمين في مدينة ليون، وذلك إثر اعتداء عنيف تعرض له خلال مواجهات اندلعت على هامش مؤتمر كانت تعقده النائبة الأوروبية ريما حسن، المعروفة بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية وانتقاداتها الحادة لإسرائيل، مما فتح الباب أمام سجال سياسي وأمني واسع.
وجاءت ردود الفعل سريعة، إذ دعا رئيس حزب" التجمع الوطني"، جوردان بارديلا، إلى فرض" طوق أمني" على حزب" فرنسا الأبية" (اليسار المتطرف) بزعامة جان لوك ميلانشون، وحث أنصاره أيضاً على عدم المشاركة في" مسيرة ليون" تفادياً لربط حزبه بأي تحركات يمينية متطرفة قد تستغل الحدث.
أما الرئيس الفرنسي السابق، اليساري فرانسوا هولاند فانتقد أي احتمال لتحالف جديد بين اليسار التقليدي وحزب ميلانشون في الاستحقاق البلدي المرتقب، معتبراً أن الظرف السياسي يتطلب وضوحاً في الاصطفافات.
ولم تقتصر تداعيات الجريمة التي حدثت في ليون على الداخل الفرنسي، إذ أدانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني العنف السياسي، فيما أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بياناً دانت فيه ما وصفته بـ" عنف اليسار المتطرف".
وكتبت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الدبلوماسية العامة، سارة رودجرز، على منصة" إكس" أن" الديمقراطية تستند إلى مبدأ أساس هو حرية التعبير عن الرأي في المجال العام من دون التعرض للقتل بسبب ذلك".
وبين التوظيف السياسي للحادثة والتجاذبات الانتخابية، يبدو أن القضية تحولت إلى عنصر جديد في معادلة الاستقطاب القائم في فرنسا، مما يزيد من حساسية المرحلة التي تسبق الانتخابات ويضع السلطات أمام اختبار دقيق في كيفية احتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مزيد من التصعيد.
ويلعب الخطاب السياسي دوراً محورياً في تشكيل مناخ التوتر أو تهدئته داخل أي مجتمع.
فهو لا يقتصر على التعبير عن المواقف، بل يحدد إطار النقاش العام وحدود المقبول والمرفوض فيه، ويمنح أنصار التيارات المختلفة أيضاً شرعية رمزية تعزز تموضعهم في الساحة السياسية.
وعندما ينزلق هذا الخطاب نحو مفردات الشيطنة أو التخوين أو تصوير الخصم كخطر وجودي، فإنه يسهم حتى من دون وجود نية مباشرة، في توسيع هامش التبرير لدى الفئات الأكثر تطرفاً، وينتج بيئة خصبة لتصاعد العنف الرمزي وربما المادي.
في المقابل، يسهم خطاب التهدئة المسؤول في خفض منسوب الاستقطاب، وعزل الأصوات المتشددة، وتعزيز ثقافة التنافس الديمقراطي.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن فرنسا تشهد مرحلة توتر سياسي متصاعد يعكس تعمق الانقسام الأيديولوجي داخل المجتمع، من دون أن يصل ذلك إلى مستوى أزمة نظام أو انهيار مؤسساتي.
فالتحديات الاقتصادية المتراكمة، إلى جانب الجدل المحتدم حول الهوية والهجرة والعلمانية، أسهمت في إضعاف الثقة بالطبقة السياسية التقليدية وتعزيز خطاب أكثر حدة في الساحة العامة.
وفي ظل صعود قوى قومية مثل" التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبن مقابل حراك يساري يعد هذا التوجه" تهديداً للقيم الجمهورية"، يتكرس مناخ من الاستقطاب المتبادل يعيد رسم ملامح التوازنات السياسية.
ورغم أن المؤسسات الفرنسية لا تزال قادرة على احتواء التوترات، فإن استمرار منطق التخويف والشيطنة قد يفتح المجال أمام تطبيع تدريجي للعنف الرمزي، وربما الميداني في الحياة السياسية.
في هذا السياق، تُظهر التحولات التي شهدتها فرنسا خلال الأعوام الأخيرة ملامح تصاعد تدريجي في حدة العنف الأيديولوجي، ليس بوصفه انفلاتاً ظرفياً، بل كنتيجة لتراكمات سياسية واجتماعية عميقة.
فقد أدى اتساع الهوة بين التيارات القومية المتشددة والحركات اليسارية الراديكالية إلى تكريس مناخ من الشك المتبادل ونزع الشرعية، حيث بات الخطاب العام يميل إلى تصوير الخصم السياسي كخطر وجودي لا كشريك في التنافس الديمقراطي.
ومع انتقال جزء من هذا التوتر من الفضاء الإعلامي إلى الشارع، وتزايد دور المنصات الرقمية في التعبئة والتحريض، تتشكل بيئة سياسية أكثر هشاشة وقابلية للاحتكاك.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن البلاد تتجه نحو صدام شامل، بل إن المؤشرات الحالية تعكس مرحلة اضطراب وإعادة تشكل قد تتحول إلى منحى أكثر خطورة إذا استمر التصعيد الخطابي من دون ضوابط مؤسساتية أو مبادرات لخفض التوتر.
في قراءة للمشهد السياسي الفرنسي، اعتبرت الدكتورة إعجاب خضر خوري، نائبة رئيس اللجنة الوطنية الفرنسية للتنوع في حزب" الجمهوريين" (أسسه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي) سابقاً، أن" حادثة مقتل ناشط سياسي في ليون تعكس تصاعداً مقلقاً في منسوب الاستقطاب الأيديولوجي داخل البلاد، من دون أن تشكل حتى الآن مؤشراً إلى تحول بنيوي يقود إلى صراع سياسي شامل".
وأوضحت خوري أن" الساحة الفرنسية تقف عند تقاطع ثلاثة عوامل ضاغطة: أزمات اقتصادية متراكمة أضعفت ثقة المواطنين بالطبقة السياسية، وتوترات متنامية حول ملفات الهوية والهجرة والعلمانية، إضافة إلى تصاعد خطاب سياسي حاد يعيد تعريف الخصم بوصفه تهديداً وجودياً لا مجرد منافس ديمقراطي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
ولفتت إلى أن" صعود قوى قومية، وفي مقدمتها التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، يقابله حراك يساري راديكالي يعتبر هذا التقدم خطراً مباشراً على القيم الجمهورية".
ورأت أن" هذا التفاعل بين الطرفين يعمّق الانقسام ويزيد من احتمالات الاحتكاك الميداني بين المجموعات الأكثر تطرفاً".
وفيما شددت على أن المؤسسات الفرنسية لا تزال متماسكة وقادرة على احتواء أي انزلاق خطر، حذرت من أن" استمرار خطاب التخويف والشيطنة قد يفضي تدريجياً إلى تطبيع العنف السياسي في المجال العام".
وختمت بالتأكيد على أن فرنسا ليست على أعتاب" حرب شوارع"، لكنها تمر بمرحلة إعادة تشكل سياسي واجتماعي دقيقة، تتطلب خطاباً أكثر مسؤولية وإصلاحات جادة تعالج جذور القلقين الاقتصادي والثقافي.
الخطاب العنيف أداة الصراع السياسي.
في هذا الخصوص أكد الباحث المتخصص في الشأن الفرنسي نبيل شوفان أن" مقتل الناشط اليميني كونتان دورانك البالغ من العمر 23 سنة في مدينة ليون سبب صدمة وطنية عميقة وأثار جدلاً سياسياً واسعاً حول تصاعد العنف الحزبي في الحياة السياسية الفرنسية، خصوصاً أنه تعرض لضربات عنيفة خلال اشتباكات اندلعت بالفعل في الشارع بين مجموعات متطرفة من اليمين واليسار، وذلك بحسب التغطيات الإعلامية بانتظار انتهاء التحقيقات، وذلك على هامش تجمع سياسي بالقرب من مؤتمر حضرته النائبة الأوروبية عن حزب 'فرنسا الأبية' الراديكالي ريما حسن".
وأوضح شوفان أنه" تم فتح تحقيق في جريمة قتل متعمدة مع ظروف مشددة مثل استخدام أسلحة مرتجلة وهروب الجناة وهم ملثمون.
وحتى الآن تم توقيف نحو 11 شخصاً مشتبهاً في ارتباطهم بالقضية بينهم مساهمون مقربون من اليسار المتطرف، ويواصل القضاء التحقيق لتحديد المسؤوليات بدقة".
وقال شوفان، إنه" مع اقتراب ’البلدية’ و’الرئاسية’ في فرنسا فإن الحادثة أحدثت صدمة واسعة وأشعلت توترات سياسية حادة، وشهدت فرنسا مسيرة في ليون شارك فيها نحو 3 آلاف شخص لتكريم ديرانك والمطالبة بالعدالة، وسط وجود أمني مكثف وتحذيرات من السلطات من العنف، مع تسجيل تقارير الشرطة خلال المسيرة إطلاق هتافات عنصرية مما زاد من قلق القوى الأمنية حول إمكانية اندلاع مزيد من الاضطرابات في الشوارع".
وشهدت فرنسا مواجهات مماثلة في الماضي، مثل مقتل الناشط اليساري كليمنت ميريك في عام 2013 بعد اشتباكات بين مجموعات أيديولوجية متطرفة، وهي حادثة أثارت أيضاً نقاشات وطنية حول الحدود بين الاحتجاج السياسي والعنف في الشارع.
وأردف شوفان، " حمّل بعض قادة تيار أقصى اليمين، بمن فيهم مناصرو حزب 'التجمع الوطني'، اليسار المتطرف مسؤولية تصاعد العنف ووصفوا الهجوم بأنه مؤشر إلى تطرف ميليشيات يسارية، لكن الأرقام والأرشيفات تقول عكس ذلك تماماً، ففي فرنسا، ووفق مساهمة المؤرخ نيكولا لوبورغ في الكتاب المرجعي 'العنف السياسي في فرنسا' (منشورات معهد العلوم السياسية، 2021)، من بين 53 حالة وفاة نُسبت إلى ناشطين سياسيين بين عامي 1986 و2014، ارتبطت خمس حالات فقط بناشطين من اليسار (من بينها أربع تعود حصراً إلى تنظيم 'العمل المباشر' ذي التوجه السلطوي)، فيما تُنسب 48 حالة إلى اليمين المتطرف".
من جهته ندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالعنف ودعا إلى الهدوء وتجنّب الاستفزازات، بينما شدد المسؤولون الفرنسيون على ضرورة أن تتولى العدالة مهمتها من دون تسريع في الاتهامات أو استغلال الحادثة لأغراض انتخابية أو سياسية.
وأمام ما سبق، فسر شوفان أن هذا ينطبق أيضاً على خارج الحدود حيث أثارت تصريحات مسؤولين أميركيين حول الحادثة ردود فعل في باريس، إذ أعلنت فرنسا استدعاء السفير الأميركي تشارلز كوشنر اعتراضاً على ما رأت الحكومة الفرنسية أنه" استخدام هذه المأساة لأغراض سياسية خارجية"، مؤكدة" رفض أي تدخل في شؤونها الداخلية وتسييس القضية من قبل قوى خارجية، خصوصاً أن هذه القوى الخارجية لديها خطاب قد يصل إلى حد عدم الاعتراف بقيم أوروبا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك