عبر لغة سينمائية تعتمد على الأداء التمثيلي البارع والصادق، والعناصر البصرية الملموسة، التي ترصد التبدّل النفسي للشخصيات، ضَمّن الألماني التركي، إلكر شاتاك، جديده" رسائل صفراء"، الفائز بالدب الذهبي أفضل فيلم (ينالها المنتج الألماني إينغو فْلِيس)، في الدورة الـ76 (12 - 22 فبراير/شباط، 2026) لمهرجان برلين السينمائي (برليناله)، رسالة سياسية ـ نفسية ـ اجتماعية، عميقة وغير مباشرة، تحذّر بوضوح من الانزلاق السلطوي الراهن، الساعي إلى إسكات الأصوات المعارضة وقمعها، وخنق مجالات الحرية والتعبير ومصادرتها، بطشاً وإقصاء وتنكيلاً، في تركيا حيث تدور الأحداث، كما في العالم.
" رسائل صفراء" نقلة واضحة في مسيرة شاتاك، إذْ يبتعد عن الفضاء المؤسّسي الصغير في مجال التعليم، الذي ركّز عليه في المدرسة بصفتها نموذجاً في" حجرة المعلّمين" (2023)، إلى الفضاء المؤسّسي الكبير، أي الصدام مع الدولة والسلطة، ورصده العلاقة الشائكة بين المؤسّسة السلطوية والعاملين في الفنون والفكر والإبداع.
المثير في الفيلم أن مخرجه لا يرصد الصدام المباشر مع السلطة، ومقاومة الشخصيات ودفاعها عن الحرية وغيرها، بصوت زاعق ومواجهة صدامية مباشرة، بقدر طرحه سؤالاً جوهرياً: هل يستحق الموقف السياسي، والأخلاقي أساساً، التضحية بالحياة الشخصية، وما يتبعها من انهيارات في المستويات كافة؟ رغم قِدَم السؤال، أكسبته طريقة الطرح والتناول والمعالجة جماليات وأبعاداً مُشوّقة وعميقة.
بحبكة غير جديدة أبداً، ذات بناء درامي تقليدي، يكاد يكون متوقّعاً، يعتمد أساساً على رصد تفاعل الشخصيات، وتراكم التوترات بينها وتصاعدها، وردات فعلها المختلفة تجاه المآزق التي تواجهها، والتأثيرات النفسية والأخلاقية المترتبة عليها، يبتعد شاتاك (1984) عن الحدث الرئيسي المحرّك لهذه الدراما.
أي الدخول في تفاصيل الصدام مع السلطة السياسية، ليركّز على تطوّرات الصدام وتبعاته، الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، على المجتمع الصغير: أسرة صغيرة ناجحة ومشهورة.
مباشرة، يدخل إلكر عالم الكاتب المسرحي والأكاديمي المعروف عزيز (تانسو بيتشر)، وزوجته الممثلة المسرحية ديريا (أوزغو نامال)، كاشفاً مدى نجاحهما الفني والمادي، وحياتهما الراقية المستقرة، وعلاقتهما الطبيعية الناجحة مع ابنتهما المراهقة إزجي (ليلا كاباس).
لكنه يتمهّل في رصده العميق، ومراكمته الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على توقيع عزيز على بيان ثقافي نقدي موجّه ضد السلطة، وممارساتها القمعية، حاضّاً طلابه على حرية التعبير والتظاهر.
تتعقّد الأمور أكثر، مع معاينة التصدّع التدريجي لأفراد هذه الأسرة المثالية، وانحدارها المؤسف نحو مصير مجهول، بعد حملة تشهير وتخوين تطاول عزيز، الذي تؤدّي به التحقيقات إلى إيقافه عن العمل، وتجنّب المنتجون ديريا، وصعوبة حصولها على أعمال فنية كالسابق.
هذا يترتّب عليه اضطرارهما إلى الانتقال مع إزجي إلى مدينة أخرى للعيش مؤقّتاً مع والدته: يمارس عزيز مهناً لا تناسبه، وتواجه ديريا شقيقها الرافض رغبتها في بيع نصيبها من الميراث، وتتأثّر الابنة بالتدهور الاجتماعي المفاجئ، والتطوّرات والمشاكل المتسارعة، وتبدّل شخصيتهما وطريقة تعاملهما معها.
يتميّز السرد بتجنّبه الخطاب السياسي المباشر، والنبرة العالية، والدخول في دهاليز السياسة وخطاباتها، وتفاصيل تثير نفوراً، وتضرّ أكثر مما تنفع.
وهذا كلّه لطرح الأهمّ فنياً.
فبعيداً عن السؤال الأخلاقي الجوهري، الناجم عن الصدام السياسي، هناك أسئلة عدّة: كيف يتحوّل الاتهام إلى عزلة وإقصاء، والقمع إلى أزمة عائلية، تفجّر المكبوت وغير الملتَفَت إليه؟ كيف يفضي الخوف إلى صدع ينسف علاقة حب واستقرار وانسجام؟يحسب لإلكر شاتاك قدرته المقنعة على رصد انتقال الصراع من كونه خارجياً، مع السلطة، إلى داخلي لدى الشخصيات.
والصراع يتمحور حول الكرامة وعزّة النفس ومحاولة النجاة والبقاء، لا سيما بعد رفض عزيز المهادنة والاستسلام لمطالب السلطة، وضغوط زوجته بعدم الوقوف في وجه العاصفة، خاصة أن القمع لن يتوقف، والحصار لن ينتهي، والمستقبل لن يأتي بحلول قريبة.
هذا يضع أحدهما في موقف المدافع والمتمسك بقيمه ومواقفه الأخلاقية وحريته، والآخر في حيّز التفكير جدّياً، واتخاذ خطوات فعلية صوب التكيّف ومجاراة الأمور.
عبر النموذجين النقيضين، يتجلّى مدى ما عليه المرء من هشاشة وفقدان للتوجه والسيطرة على الأمور أحياناً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك