تنتشر الأعلام الإسرائيلية ونجمة داود السداسية على طول الطرق الخارجية، وعلى التلال ورؤوس الجبال وفي السهول والوديان في الضفة الغربية، في مشهد يعكس محاولة إسرائيلية دؤوبة لتغيير" الهوية البصرية" للمناطق الفلسطينية.
بدأت عملية التغيير هذه أثناء الحرب على قطاع غزة، وترافقت مع عملية تهجير واسعة لسكان المناطق الريفية، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، واستبدالها بتجمعات للمستوطنين.
التغيير يشمل الشكل والمحتوى على السواء.
ففي الشكل يجري زرع الرموز الإسرائيلية في مختلف أنحاء الضفة الغربية، خاصة على جوانب الطرق والتلال والجبال والأماكن الأثرية ومنابع المياه.
أما في المحتوى، فيجري تهجير سكان المناطق الريفية التي لا تُخفي إسرائيل سعيها لضمها، واستبدالها بتجمعات استيطانية مشابهة، تجمعات رعوية، أو" بدوية يهودية" كما يسميها البعض.
تقوم عملية التغيير هذه على مجموعات وجمعيات استيطانية تمتلك مقومات مادية كبيرة، وتستخدم مجموعات مسلحة تطلق على نفسها" فتية التلال" و" فتيات التلال" وما يسمى" طلائع الصهيونية الدينية".
ويقوم أفراد هذه المجموعات باعتداءات يومية على التجمعات الريفية الفلسطينية لإجبارها على الرحيل.
وتشمل هذه الاعتداءات إضرام النار في البيوت والحقول والحظائر، وضرب النساء والكبار والصغار، وإطلاق النار، والدهس، وغيرها.
وبحسب تقارير مكتب الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة ومركز المعلومات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية" بتسيلم"، فإن عدد التجمعات التي تعرضت للتهجير زاد عن 100 تجمع.
وتقيم هذه الجماعات، بؤراً استيطانية في المناطق الأكثر أهمية، خاصة حول منابع المياه وفي الحقول والمراعي.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية في تقارير لها، أن الجمعيات الاستيطانية، توفر كل مقومات العمل والحياة لهذه المجموعات؛ مثل رواتب شهرية للمقيمين فيها، والمواشي التي يرعونها من أبقار وأغنام وحمير وخيول، والبيوت والخلايا الشميسة والمولدات الكهربائية وسيارات الدفع الرباعي والطائرات المسيرة وغيرها.
ويقوم أفراد هذه المجموعات المسلحة بدوريات، مستخدمين الطائرات المسيرة وسيارات الدفع الرباعي في مختلف المناطق الريفية والرعوية مجبرين الفلسطينيين العزل على الرحيل.
وتوفر لهم وزارات الاستيطان والأمن القومي (الشرطة) والدفاع، الحماية المادية والقانونية واللوجستية.
فالجنود ينتشرون في المناطق ويراقبون عن كثب عمليات الاعتداء والتهجير ولا يتدخلون إلا في حال حصول تهديد على هؤلاء المعتدين.
وفي الجانب القانوني، وفرت الحكومة الإسرائيلية لتلك المجموعات، رزمة من القوانين التي تسمح لهم بالاستيطان والتملك، حتى في مناطق السلطة الفلسطينية التي تشكل 40% فقط من مساحة الضفة الغربية.
ونقلت وزارة الدفاع الإسرائيلية، السلطة على الأراضي الفلسطينية والمستوطنات من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسة المدنية من وزارات ودوائر وهيئات وباتت تخصص لها الموازنات كأنها جزء من دولة إسرائيل.
وامتد هذا التغيير إلى إقامة بنى تحتية في الضفة الغربية، مرتبطة ببنى تحتية في دولة إسرائيل من طرق سريعة وشبكات كهرباء ومياه وطاقة نظيفة وغيرها.
ومنها، على سبيل المثال، توسيع الشارعين الرئيسيين العابرين للضفة الغربية من الشمال إلى الجنوب، وهما الشارع رقم 90 والشارع رقم 60 وربطهما مع الطرق التي تربط شمال إسرائيل بجنوبها.
وأحدثت هذه المشاريع، تغييرات واسعة في الهوية البصرية للأراضي الفلسطينية، وبدت معها مساحات واسعة من الضفة الغربية كأنها مشاهد مقطوعة من دولة إسرائيل، او امتداد لها.
نضال فقهاء من سكان قرية كردلا في الأغوار، يعمل ويعيش في رام الله، وفي نهاية الأسبوع يعود إلى قريته، أكد في تصريحاته لـ" الشرق"، تغير المشهد على جانبي الطريق الطويل الذي يبلغ حوالي 100 كيلو متر، من رام الله إلى قريته في الشهور الأخيرة.
ويضيف: " كنت أتنقل بين كردلا ورام الله أثناء الليل والنهار، وسط محيط فلسطيني حيث تتناثر التجمعات السكانية الفلسطينية على جانبي الطريق وعلى التلال والجبال، كنت أتنقل في أجواء من الطمأنينة، وكانت أعداد المسافرين كبيرة، لكن المشهد تحول اليوم بصورة كاملة، فقد اُستبدلت التجمعات الفلسطينية بتجمعات للمستوطنين الشرسين الذين يعتدون على كل ما هو فلسطيني".
وفقهاء أشار في حديثه لـ" الشرق"، إلى أن الجنود الإسرائيليين، يقيمون حواجز عسكرية متنقلة على هذه الطرق، لافتاً إلى أنه اُحتجز في المرة الأخيرة لمدة ساعة ونصف، تعرض خلالها وعائلته إلى" تفتيش دقيق مهين من قبل جنود مقنعين"، شمل التدقيق كل الصور والمواقع على هواتفهم، تخلله عنف لفظي.
وأضاف: " الجنود على هذه الطرق يخفون هوياتهم خلف أقنعة لأنهم يعلمون أنهم يمارسون انتهاكات فظة قد تعرضهم للمساءلة القانونية في الكثير من دول العالم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك