مع اقتراب الشتاء، قد يواجه البشر البرد بالاحتماء تحت الأغطية أو بقضاء عطلة في مناطق دافئة.
وبالمثل، تتكيف بعض الحيوانات مع تغير الفصول عبر إبطاء معدلات الأيض والدخول في سبات، أو من خلال الهجرة لمسافات طويلة نحو بيئات أكثر ملاءمة.
ومن المعروف أن الدببة تخفض كتلتها خلال الشتاء عبر استهلاك مخزون الدهون أثناء السبات، لكن عددا قليلا من الثدييات يذهب أبعد من ذلك، إذ يقلص فعليا هياكله العظمية وجماجمه وأدمغته بنسبة قد تتجاوز 20% مع اشتداد البرد.
يعرف هذا التكيف الفريد باسم" ظاهرة ديهنل"، نسبة إلى العالم البولندي أوغست ديهنل، الذي وصف هذه التغيرات الموسمية لأول مرة في خمسينات القرن الماضي لدى الزبابات، وهي حيوانات صغيرة آكلة للحشرات، لا يتجاوز وزنها 10 غرامات، ولا يزيد حجمها على حجم الإبهام، وتنتمي إلى المجموعة نفسها التي تضم الخلدان والقنافذ، وليس القوارض كما قد يوحي شكلها الخارجي.
ولاحظ ديهنل أن هذه الحيوانات لا تكون أخف وزنا فحسب، بل أصغر حجما فعلا في الشتاء.
فقد بدت جماجمها أكثر تسطحا، وأعمدتها الفقرية أقصر، كما أظهرت العديد من أعضائها – وخاصة الدماغ – انخفاضا واضحا في الحجم مقارنة بالصيف.
لشرح أصول هذه الظاهرة التي حيرت العلماء لعقود، أجرى فريق دولي من الباحثين دراسة نشرت مؤخرا في مجلة" مولكيولار ريبرودكشن آند ديفيلوبمنت" (Molecular Reproduction and Development)، ووجدوا أن هذه الثدييات الصغيرة تعد من قلة نادرة من الثدييات القادرة على تقليص حجم ووظيفة أدمغتها، ثم إعادة إنمائها بمرونة لاحقا، وهي آلية قد تفتح آفاقا علاجية محتملة لأمراض الدماغ البشرية.
تعد ظاهرة ديهنل مثالا استثنائيا على المرونة الفسيولوجية التي تؤثر في البقاء والتكاثر والقدرة على الصمود أمام تقلبات المناخ، إذ تسمح لبعض الثدييات بتقليص يتجاوز حدود انكماش الدماغ، ليشمل أيضا تقليص حجم أعضاء أخرى مثل الكبد والطحال والجمجمة، بنسبة قد تصل إلى 30% في الفصول الباردة.
ومع حلول الربيع وتحسن الظروف البيئية، تعاود هذه الأنسجة النمو.
هذا التكيف لا يقتصر على بعض أنواع الزبابات، إذ رُصد انكماش كتلة الجسم وارتفاع تجويف الدماغ حتى الآن لدى الخلدان الأوروبية وبعض العرسيات (مثل ابن عرس والقاقم).
وتشترك هذه الحيوانات جميعا في امتلاك معدلات أيض مرتفعة، وعدم دخولها في سبات شتوي، ما يجعلها بحاجة دائمة إلى غذاء عالي الطاقة على مدار العام.
مقارنة بغيرها من الثدييات، تمتلك الزبابة واحدا من أعلى معدلات الأيض الأساسي، إلى حد أنها قد تموت جوعا إذا لم تعثر على غذاء خلال ساعتين أو ثلاث.
كما أن حجمها الصغير يجعل الهجرة لمسافات طويلة نحو بيئات أكثر ملاءمة خيارا غير عملي.
وبدلا من ذلك، طورت استراتيجية الانكماش غير المألوفة.
وتخوض هذه الدورة مرة واحدة فقط خلال عمرها الذي يقارب عاما واحدا.
وتوضح أستاذة علم البيئة والتطور بجامعة ستوني بروك الأميركية، ليليانا دافالوس، أن انكماش دماغ الزبابات ليس مجرد فقدان في الحجم، بل هو عملية بيولوجية منظمة تشمل تغيرات أيضية على مستوى الجسم كله، وتنظيما دقيقا في مناطق دماغية محددة، يتبعها في الربيع برنامج إعادة نمو يعتمد على تنشيط مسارات تكاثر الخلايا العصبية والطاقة.
ويصف العلماء هذا التغير القابل للعكس بـ" المرونة الظاهرية"، أي قدرة الكائن الحي على تغيير شكله الفيزيائي استجابةً لتغيرات الحرارة.
ويُعتقد أنه أندر من استراتيجيات أخرى لتوفير الطاقة في ظروف البرد القارس وندرة الغذاء.
كما تسهم هذه الدورة الموسمية الفريدة في خفض الاحتياجات الغذائية خلال أشهر الشتاء، حين يصبح العثور على الفرائس أصعب.
وباستخدام علم الجينوم المقارن وتحليل التعبير الجيني في أنسجة محورية مثل الوطاء (الهيبوثالاموس)، حدد الفريق جينات مرتبطة بعدة عمليات أساسية، من بينها توازن الطاقة وإشارات الكالسيوم، وهي ضرورية لضبط الميزان الطاقي في البيئات القاسية؛ وسلامة الحاجز الدموي الدماغي، الذي يضمن تحكما فعالا في دخول الجزيئات إلى الدماغ خلال الدورة الموسمية.
باستخدام تقنيات تصوير متقدمة تُعرف بالتصوير المجهري البنيوي بالانتشار، وجد الباحثون أن أدمغة الزبابات تغير كمية الماء فيها مع مرور الوقت، لكنها لا تفقد الخلايا العصبية (العصبونات).
وهذا يجيب للمرة الأولى عن السؤال الأساسي: ماذا يحدث للعصبونات عندما ينكمش دماغ الزبابة ثم يعاود النمو؟الإجابة، كما تقول دافالوس في حديثها للجزيرة نت، هي أن التغير يحدث في توازن الماء داخل الخلايا وخارجها.
ففي الشتاء ينخفض المحتوى المائي داخل الخلايا نسبيا، ما يساهم في تقليص حجم الدماغ.
لكن العصبونات تبقى محمية، بل وتستمر في النمو وزيادة عددها، لأن الزبابات في هذه المرحلة تكون أيضا في طور النمو نحو البلوغ.
وتشير دراسة حديثة أخرى أجراها باحثون من معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا إلى دور بروتين محدد معروف بتنظيم حركة الماء، هو أكوابورين-4، يُرجح أنه يشارك في انتقال الماء إلى خارج خلايا دماغ الزبابات.
هذا البروتين نفسه موجود بكميات أعلى في أدمغة بشرية مصابة بأمراض عصبية.
تقول دافالوس: " على مستوى التعبير الجيني، نلاحظ خلال فترة انكماش الدماغ في الزبابات زيادة في نشاط جينات تعد في الفئران والبشر مؤشرات مرتبطة بأمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون والتصلب المتعدد والتصلب الجانبي الضموري".
وتضيف أن" الفارق الجوهري هو أن هذه التغيرات عند البشر تكون دائمة وتقدمية، وتسير في اتجاه واحد فقط، بينما في الزبابات تكون مؤقتة وقابلة للعكس دون الإضرار بوظيفة الدماغ أو إحداث تلف دائم؛ إذ تعود أنماط التعبير الجيني إلى حالتها السابقة مع قدوم الربيع وإعادة نمو الدماغ".
هذه الفرضية يمكن اختبارها في نماذج خلوية أو في عضيات دماغية مخبرية، ما قد يفتح مسارات بحثية جديدة في علم الأعصاب والتمثيل الغذائي لتطوير علاجات بشرية مستقبلية، خاصة مع عدم وجود علاج لأي مرض دماغي يمكنه منع التراجع الفقد في حجم الدماغ أو عكسه.
الخطوة التالية هي دراسة المرحلة الثانية من ظاهرة ديهنِل لفهم كيفية إعادة الزبابات إنماء أدمغتها من الشتاء إلى الصيف.
ومن خلال ذلك، يأمل الباحثون في إيجاد طرق لتعليم الدماغ البشري أن يفعل الشيء نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك