في لحظات فارقة من تاريخ الشعوب والأمم، تتجلى السنن الكونية بوضوح لا يخطئه ذو بصيرة، حيث يرتد السحر على الساحر، ويأكل الوحش صانعه، وتدور الدوائر على البغاة الطغاة من حيث لم يحتسبوا.
إن ما شهدته بلدة مستريحة في شمال دارفور يوم الإثنين 23/1/2023، من سقوط لمعقل الزعيم القبلي والمؤسس الروحي لميليشيات الجنجويد موسى هلال، على يد القوات التي انبثقت من عباءته ميليشيا الدعم السريع، ومقتل ابنه وتشتت قواته، ليس مجرد خبر عسكري عابر في أتون الحرب السودانية المستعرة، بل هو تجسيد حي للدعاء الذي يلهج به لسان كل سوداني مكلوم، وهو، “اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، وتدبيرهم تدميرهم، واجعل دائرة السوء تدور عليهم”.
إن هذا الاقتتال الداخلي بين أجنحة الشر، وبين الأب الروحي للجنجويد والابن العاق “الدعم السريع”، يعيد ترتيب مشهد العدالة الإلهية بطريقة دراماتيكية، مؤكدا أن النار التي أشعلوها لحرق السودان وأهله، لابد وأن تمتد ألسنتها لتحرقهم هم أنفسهم، في مصداق لقوله تعالى (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
بذور الشر من 2003 إلى الطوفان.
لفهم عمق التشفي المشروع في صدور السودانيين اليوم، ولإدراك أبعاد سقوط بلدة مستريحة، لا بد من العودة إلى الجذور المسمومة لهذه الشجرة الخبيثة، ففي عام 2003، برز موسى هلال كمهندس لعمليات التجييش القبلي، مؤسساً ما عرف عالمياً بالجنجويد.
تلك القوات التي امتطت صهوات الخيل والسيارات ذات الدفع الرباعي، لتمارس أبشع أنواع التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد القبائل غير العربية في دارفور.
كان هلال، هو الشيخ الذي منح الغطاء الشرعي والقبلي للقتل، وهو الذي أطلق العنان لاستباحة القرى وحرقها بمن فيها.
لقد كانت تلك السنوات عجافا، ذاق فيها أهل دارفور الويلات، بينما كان هلال وقادته يتنعمون بسطوة القوة ودعم نظام الخرطوم البائد الذي استخدمهم كمخلب قط لقمع التمرد، غير عابئ بالنسيج الاجتماعي الذي كان يتمزق.
لم يتوقف الأمر عند دارفور، بل تمدد هذا الورم السرطاني، فمن رحم تلك الميليشيات البدائية، وبتشجيع من الدولة العميقة حينها، تم مأسسة هذه القوات لتتحول لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، وتنتقل من صحراء دارفور لتقمع المعارضة في الخرطوم، ولتحرس نظام البشير حتى لحظة سقوطه، قبل أن تنقلب عليه، ثم تنقلب على الشعب السوداني بأسره في حرب 15 أبريل 2023.
إن سقوط دامرة مستريحة بيد قوات الدعم السريع بقيادة آل دقلو، ومقتل حيدر موسى هلال، يمثل ذروة التراجيديا السوداء لميليشيا الجنجويد.
إنه مشهد القاتل يُقتل، والظالم يُظلم، موسى هلال، الذي ظن يوما أنه يملك مفاتيح القوة والجاه، يجد نفسه اليوم طريدا أو أسيرا أو قتيلا، وفقا لتضارب الأنباء، وتداس كرامته مرة أخرى بأقدام الجنود الذين دربهم هو أو درب آباءهم على القتل والاستباحة.
لقد كان الصراع بين موسى هلال ومحمد حمدان دقلو “حميرتي”، صراعا مؤجلا وحتميا، فكلاهما خرج من نفس البيئة، وكلاهما تنافس على نفس الموارد البشرية “القبيلة”، والمادية “الذهب والسلاح”، وعندما صعد نجم حميدتي وأصبح نائبا لرئيس مجلس السيادة وقائدا لقوات موازية للجيش، شعر هلال بأن البساط يسحب من تحت قدميه، وأن التلميذ قد تفوق على الأستاذ في البطش والنفوذ.
في عام 2017، ذاق هلال مرارة السجن على يد حميدتي ونظام البشير، لكن تلك كانت مجرد جولة سياسية، أما اليوم، فالمعركة وجودية، فميليشيا الدعم السريع، التي تحاول ابتلاع الدولة السودانية بأكملها، لم يكن لتسمح بوجود شوكة في خاصرتها داخل حاضنتها الاجتماعية في دارفور، لذلك، جاء الهجوم على مستريحة وحشيا، شاملا، ومستخدمةً للمسيرات والمدفعية، لاجتثاث هلال ونفوذه نهائيا، وهنا تكمن العبرة، وهي ان هؤلاء القوم لا عهد لهم ولا ذمة، حتى مع بني جلدتهم ورموزهم التاريخية.
عدالة السماء في الأرض المحروقة.
إن ما يجري في شمال دارفور اليوم، يرسل رسائل متعددة الاتجاهات، جوهرها أن الله يمهل ولا يهمل:
أولا/ إن الدماء التي سُفكت في دارفور منذ 2003، ودماء شهداء فض الاعتصام، ودماء ضحايا حرب 15 أبريل في الخرطوم والجنينة والجزيرة وسنار وجبال النوبة وكردفان، لم تذهب هدرا، إنها تطارد القتلة وتوقع بينهم العداوة والبغضاء، فها هم الذين تحالفوا على الإثم والعدوان يذبحون بعضهم بعضا.
ثانيا/ إن مشروع دولة العطاوة أو السيطرة العرقية الذي يروج له منظري الدعم السريع قد تحطم على صخرة الأطماع الشخصية، فبينما يزعمون الدفاع عن المهمشين، يقتلون زعيم قبيلتهم التاريخي ويدمرون عاصمته مستريحة، هذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن دافعهم الوحيد هو السلطة والمال، وأن شعاراتهم زائفة كوعودهم.
ثالثا/ تأخر موقف موسى هلال في الانحياز للجيش السوداني حتى وقت قريب، لم يعصمه من بطش الميليشيا، لقد حاول أن يمسك العصا من المنتصف حينا، وأن يهادن حينا آخر، لكن طالما أنك في نظر الميليشيا عقبة، فمصيرك الإزالة، وهذا درس لكل من لا يزال يراهن على الحياد أو يظن أنه بمأمن من غدر الجنجويد.
عندما نرفع الأكف قائلين: اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم، فإننا نرى استجابة السماء تتجسد في هذا التشرذم، لقد خططوا للسيطرة على السودان، فإذا بهم يفقدون السيطرة على أنفسهم وقواعدهم.
خططوا لتوحيد القبائل خلف مشروعهم العنصري، فإذا بالقبائل تنقسم وتتصارع، وإذا بالدعم السريع يقتل أبناء المحاميد، والمحاميد يتربصون بالدعم السريع.
إن تدمير مستريحة هو تدمير للرمزية التي استندت عليها الميليشيا في بداياتها، إنه إعلان نهاية حقبة وبداية أخرى أكثر دموية وفوضوية داخل صفوفهم.
إن مقتل حيدر موسى هلال هو نذير شؤم عليهم، سيفتح أبواب الثأر القبلي الذي لا ينطفيء، وسيحول بنادقهم إلى صدور بعضهم البعض بدلا من صدور الأبرياء العزل.
إن هذا الاقتتال يضعف شوكتهم، ويشتت جهودهم، ويفضح زيف قضيتهم، ويكشف عن وجههم القبيح كعصابات مارقة لا يجمعها مبدأ ولا دين ولا عرف، بل تجمعها الغنيمة وتفرقها الهزيمة.
في ختام هذا المشهد العجيب، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة تأمل مشوبة بابتسامة ساخرة ومريرة أمام هذه الكوميديا السوداء التي تُعرض على خشبة مسرح مستريحة.
إن ما جرى ليس مجرد تبدل في موازين القوى العسكرية، ولا هو فصل تقليدي من فصول الانقلابات المعتادة، بل هو درس بليغ في فن صناعة الوحوش، مادة دراسية يجب أن تُدرّس في كليات العلوم السياسية تحت عنوان.
كيف تصنع غولاً ليأكلك في النهاية؟إن المأساة التاريخية تبلغ ذروتها هنا، فموسى هلال، العراب الذي خط بيده السطر الأول في كتاب الجنجويد الدموي، يجد نفسه اليوم وقد أصبح هو الخاتمة في كتاب تلميذه النجيب.
يا لها من مفارقة تستدعي الضحك والبكاء معاً، هل كان هلال، وهو يوزع الرتب والنياشين القبلية، ويعطي الضوء الأخضر لحرق القرى قبل أكثر من عشرين عاماً، يتخيل أن النار التي أوقدها ستشتاق يوماً لجلد صانعها، ويبدو أن طباخ السم، لم يكتفِ بتذوقه فحسب، بل أُجبر على تجرع القدر كاملاً.
إن الصراع بين الجنرال دقلو والزعيم هلال، ليس صراعاً بين مشروعين، ولا تنافساً بين رؤيتين لبناء الدولة، بل هو صراع اللصوص على المسروقات في لحظة اشتعال المنزل.
إنهما يتنازعان على ركام دارفور، وكأن السيادة لا تكتمل إلا بالجلوس على تلال من الجماجم والرماد، وكم هو مثير للشفقة والسخرية في آن واحد، أن يرفع الابن العاق شعارات الديمقراطية ومحاربة الفلول، بينما هو يمارس أبوة قسرية بالحديد والنار على من علمه ألفباء البطش.
إنها محاولة بائسة لغسل العار بالدم، وتبييض صحائف التاريخ الأسود بمزيد من السواد، في متوالية عدمية لا تنتج إلا الفناء.
وهنا تكمن النكتة الكونية الأكثر إيلاما، وهو أن هؤلاء القوم الذين صدّعوا رؤوسنا بحديثهم عن التهميش ونصرة الأهل، ها هم يذبحون أهلهم ورموزهم بدم بارد، ليثبتوا للعالم أجمع أن القبيلة عندهم ليست سوى مطية يمتطونها للوصول إلى كراسي السلطة، ثم يذبحونها ويأكلون لحمها إذا جاعوا أو استشعروا الخطر.
لقد سقط القناع عن القناع، وبانت السوءة الكبرى، فلا قضية هناك ولا مظلمة، إنما هي شهوة الحكم التي جعلت التلميذ يرى في أستاذه مجرد عقبة، وجعلت الأستاذ يرى في تلميذه مجرد أداة خرجت عن السيطرة.
إن سقوط مستريحة ليس نهاية المطاف، بل هو بروفة جنرال لما هو آت، إنها بداية مرحلة تكسير العظام داخل البيت الواحد، وكما يقول المثل “فخار يكسر بعضه”، لكننا نقولها بأسى لأن شظايا هذا الفخار ستصيب الأبرياء أيضا، ومع ذلك، ثمة عزاء خفي في هذا المشهد، وهو أن الظلم لا يملك مقومات البقاء، فهو يحمل بذور فنائه في أحشائه.
إن هذا السرطان الذي زرعوه في جسد السودان، قد بدأ أخيراً بمهاجمة خلاياه نفسها، في عملية انتحار ذاتي بطيئة ولكنها مؤكدة.
إننا ننظر إلى هذا الاقتتال بعين اليقين بأن عدالة السماء تتدخل حين تعجز عدالة الأرض، وإن دماء الأبرياء في معسكر كلما وطويلة والجنينة وولخ، لم تكن ماءا، بل كانت وقوداً لهذه النار التي تأكل الظالمين اليوم.
إنها لعنة دعوات المظلومين التي ليس بينها وبين الله حجاب، وقد حان وقت سداد الفواتير المؤجلة، فليقتتلوا، وليتحاربوا، وليفنى بعضهم بعضاً، فكل طلقة يوجهونها لصدور بعضهم، هي رصاصة رحمة تبتعد عن صدر مواطن بريء، وكل استنزاف لقوتهم، هو خطوة نحو خلاص الوطن من شرورهم مجتمعين.
على العموم… يمكننا القول إن قصة مستريحة، هي رسالة إنذار أخيرة لكل من لا يزال يراهن ويظن أن التحالف مع الشيطان قد ينجيه من النار.
إن الشيطان يا سادة لا حليف له، وهو أول من يتبرأ من أتباعه عند الهلاك، لقد أرادوا أن يكون السودان غابة يأكل فيها القوي الضعيف، فحولهم الله إلى وحوش مسعورة تنهش لحم بعضها البعض في مشهد لا يثير الاشمئزاز بقدر ما يثير الطمأنينة بأن نهاية هذا الكابوس قد اقتربت.
نعم، إنها لحظة فارقة، لحظة يرتد فيها السحر على الساحر، وينقلب فيها التدبير تدميراً، فلتكن مستريحة عبرة لمن يعتبر، وليكن سقوط صانع الجنجويد على يد الجنجويد دليلا قاطعا على أن الله يمهل ولا يهمل، وأن الظالم مهما طغى وتجبر، فإن نهايته غالبا ما تكون من جنس عمله، وبأيدي من صنعهم، وعلى الأرض التي دنسها.
فاللهم، إنا نسألك ألا ترفع لهم في السودان راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لبعضهم آية، وأخرجنا والوطن من بينهم سالمين غانمين، وطي صفحتهم السوداء إلى الأبد، لنكتب بعدها تاريخا جديدا، نظيفا، خاليا من الجنرالات والزعماء الذين لا يجيدون سوى الرقص على الجثث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك