مع الإعلان عن دخول رمضان المبارك، تعيش قطر أجواء روحانية مميزة، يتجلى فيها عبق الماضي العريق بنكهته الأصيلة، وبهاء الحاضر المتطور برونقه العصري.
ففي هذا الشهر، تتحول قطر إلى لوحة فريدة تمتزج فيها مشاعر الفرح والتآخي، لتؤكد أن الهوية القطرية قادرة على احتضان الحداثة دون التخلي عن أصالتها، ومع الإعلان عن دخول الشهر الفضيل، تكتسي الدوحة حلة بهية من الزينة والفوانيس التي تزين المنازل والمجالس والشوارع، ناقلة لغة الفرح التي تستقبل بها قطر ضيفها الغالي.
list 1 of 2رمضان في الجزائر.
موروث صامد وتكافل في الأحياء الشعبية.
list 2 of 2" الدور السياسي للقبيلة في اليمن".
قراءة جراحية في جدل الهوية.
ارتبط استقبال رمضان في الذاكرة الشعبية بقطر بتحضيرات بدأت قبل قدومه بشهر كامل، حيث كان المجتمع يستعد دائما لاستقبال الشهر من خلال عادات وتقاليد متوارثة، حيث تتهيأ له البيوت كلها،
وأكثر ما يكون الاستعداد لدى ربات المنازل اللاتي يقمن بالكثير من المهام قبل قدوم رمضان ربما بشهر كامل، فهن في الماضي كن يقمن بتجهيز الطحين لإعداد خبز الرقاق، ودق الحب الذي يصنع منه الهريس.
وتشير الروايات إلى أن" دق الحب" لم يكن مجرد عمل روتيني، بل كان احتفالية اجتماعية بامتياز، حيث تصف سلمى النعيمي، الباحثة في التراث الثقافي، تلك الأجواء قائلة: " في شعبان، كانت السيدات يجتمعن في أحد البيوت ويقمن بدق الحب وسط مشاعر من الفرح والسرور والغناء، وكان ذلك موسما متعارفا عليه لدى سيدات الحي أو (الفريج)، لعمل أطعمة رمضان التقليدية".
ومع اختلاف الزمن، تغيرت الصورة وأصبح استقبال الشهر الفضيل يتم التحضير له من خلال زيارة الأسواق والمجمعات التجارية التي تزدحم بالمشترين، وقد توفرت كل الاحتياجات والأصناف الغذائية المتنوعة بلمسة عصرية، وإن كان المجتمع ما زال متمسكا بعاداته وتقاليده.
ولا تزال الأطباق الشعبية تحتل صدارة المائدة الرمضانية في قطر.
فـ" الهريس" المصنوع من القمح واللحم، و" الثريد" (خبز الرقاق المفتت بالمرق)، و" اللقيمات" الحلوة، هي أطباق أساسية لا تخلو منها سفرة رمضانية.
ويعد تحضير" الهريس والثريد" من أهم مظاهر التمسك بالموروث الغذائي في رمضان، ويجب أن تتزين بهما المائدة القطرية في اليوم الأول رمضان.
وبالحديث إلى كبار السن الذين صاموا الشهر المبارك في الماضي ورمضان اليوم عن مظاهر الاختلاف، أشاروا إلى أنه قديما كانت تقام ما يعرف بـ" الغبقة" التي تقام في المجالس، حيث يدعو المضيف أهالي الحي أو (الفريج) إلى مجلسه لتناول الغبقة الرمضانية بعد خروجهم من صلاة التراويح أو القيام في العشر الأواخر رمضان المبارك.
ويرى كبار السن أن المحافظة على هذه العادة التي تمثل كرم وحفاوة أهل قطر بالضيف، بمثابة إحياء للتقاليد القديمة ويدل على وعي واعتزاز كبير بالتراث، ويشكل فرصة للحديث عن التقاليد وتاريخ البلاد وحياة الشعوب في الماضي.
ويرجع أصل كلمة غبقة إلى ما يعرف بـ" الغبوق"، أي شرب الحليب في الليل، وعرفت أيضا بالعشاء الرمضاني المتأخر، وعادة ما تتنوع أطباق الغبقة، لكنها تشمل بشكل أساسي الأطباق الخليجية الشعبية الشهيرة.
ومع تسارع الزمن، تطورت" الغبقة" وتحولت إلى موائد في الفنادق الفاخرة والخيام الرمضانية المكيفة التي تقدم مزيجا من المأكولات الشعبية والعالمية، وتجمع الأهل والأصدقاء وزملاء العمل في أجواء من الألفة والترابط الاجتماعي.
" النقصة" التي لا تزال تطرق الأبواب.
ومع التحولات الاجتماعية المتسارعة، يظل رمضان عنوانا للتراحم والترابط الاجتماعي في قطر، ويتجلى ذلك في عادة مثل" النقصة"، وهي تبادل الأطباق بين الجيران.
وهي عادة قطرية ترجع تسميتها إلى أن كل ربة منزل تقوم بنقص جزء من طعامها لترسله لجارتها، فلا يمكن أن تصنع أسرة طعاما دون أن تعطي منه لجيرانها، وهي من الأشياء التي تساعد على زيادة اللحمة والترابط بين كامل فئات المجتمع.
الفرحة الأكبر.
القرنقعوه بهجة الأطفال.
وفي ليلة النصف رمضان، تبلغ مظاهر الفرح ذروتها باحتفالية" القرنقعوة"، حيث يرتدي الأطفال الملابس التقليدية (البخنق والدراعة) ويطوفون على البيوت في المنطقة وهم يرددون أهازيجهم الشهيرة لجمع المكسرات والحلويات في أكياسهم المزركشة.
هذا الاحتفال، الذي يهدف إلى تشجيع الصغار على الصيام وتعزيز انتمائهم، هو أحد أكثر التقاليد رسوخا، وتحرص مؤسسات قطر اليوم على إحيائه عبر فعاليات كبرى في كتارا وسوق واقف، مما يعيد إنتاج الموروث بقالب جماعي مبهر.
بينما تزدهر عادات مثل" القرنقعوه" و" النقصة"، هناك أخرى تكافح من أجل البقاء، يأتي في مقدمتها" المسحراتي"، تلك الشخصية التي كانت تجوب الأحياء حاملة" الزبيلي" (سلة من سعف النخيل) لإيقاظ الناس لتناول السحور.
في المقابل، يظل" مدفع الإفطار" رمزا صامدا يجذب الكبار والصغار، ففي الوقت الذي كانت فيه المجتمعات تعتمد عليه قبل انتشار التكنولوجيا، ها هي العائلات القطرية اليوم تحتشد في مواقع مثل سوق واقف وميناء الدوحة القديم وغيرها من الأماكن لمشاهدة إطلاقه لحظة الإفطار، في مشهد يعيد وصل الماضي بالحاضر عبر دوي الفرحة التقليدي للأطفال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك