خلال العقد الماضي، شهدت منظومة كرة القدم الدولية تحوّلًا واضحًا في أولوياتها التنموية، مع انتقال متزايد نحو توسيع قاعدة المشاركة وإعادة توزيع الفرص خارج المراكز التقليدية للعبة، إلا أن المرحلة الحالية تميّزت بتركيز أكبر على دعم الاتحادات الوطنية، وتعزيز البنية التحتية، وتسريع نمو المنظومات الكروية في الأسواق الصاعدة، لا سيما في آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وساهم ذلك في تحولات كبيرة في الاقتصاد العالمي لكرة القدم خلال العقد الأخير، إذ يُقدَّر حجمه بنحو 270 مليار دولار سنويًا، ويتركز ما يقارب 70% منه في أوروبا، رغم أن القارة تمثل نسبة محدودة من الاقتصاد العالمي.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين مناطق الإنتاج التقليدية للعبة وبين الأسواق الصاعدة التي تمتلك إمكانات نمو كبيرة، ما جعل مسألة إعادة توزيع الثقل الاقتصادي والجغرافي لكرة القدم محورًا رئيسيًا في مسارها الدولي الحديث.
وفي هذا السياق، أكّد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، أن الأسواق خارج أوروبا- وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية- تمتلك فرصًا كبيرة لتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الكروي العالمي، مشيرًا إلى أن تحقيق المملكة أو الولايات المتحدة نسبة 20% فقط مما تحققه أوروبا في كرة القدم قد يرفع الأثر الاقتصادي العالمي للعبة إلى ما يتجاوز نصف تريليون دولار.
وأوضح أن استضافة المملكة لكأس العالم 2034 تمثل محطة مفصلية في تاريخ البطولة، كونها نسخة تحمل أبعادًا تنظيمية واقتصادية وتجربة جماهيرية أكثر تكاملًا ضمن نموذج" الدولة الواحدة"، بما يسهّل تنقل المشجعين بين المدن ويعزز سلاسة حضورهم.
وفي جانب الشراكات، أشار إنفانتينو إلى أن الشراكة بين فيفا وأرامكو للفترة -2024–2027 التي تشمل كأس العالم 2026 وكأس العالم للسيدات 2027- تعكس اتساع التعاون مع قطاعات حيوية في المملكة لدعم تنظيم البطولات الكبرى وتعزيز الاستقرار التجاري واللوجستي، مع إعادة توظيف العوائد في برامج تطوير اللعبة عالميًا لصالح الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحادًا، إلى جانب دعم المبادرات القاعدية.
وتطرق إلى مذكرة التفاهم بين فيفا وصندوق التنمية السعودي التي تخصص ما يصل إلى مليار دولار عبر قروض ميسرة لبناء وتجديد الملاعب والبنية التحتية الرياضية في الدول النامية، بوصفها خطوة تعزز العدالة في الوصول إلى المنشآت الرياضية وتوسع قاعدة اللعبة عالميًا.
وعلى صعيد كرة القدم النسائية، أفاد رئيس الفيفا أن التطور الذي شهدته اللعبة في المملكة خلال السنوات الأخيرة، في ضوء إطلاق دوري نسائي وطني، واتساع قاعدة الممارسة وارتفاع مؤشرات المشاركة، بما ينسجم مع توجه عالمي لتعزيز نمو كرة القدم النسائية على أسس مستدامة.
ويأتي ذلك ضمن مسار أوسع شهدته منظومة فيفا خلال العقد الماضي، تميز بتركيز أكبر على التنمية وإعادة الاستثمار في اللعبة.
فمنذ عام 2016، أسهم برنامج" فيفا فورورد" في ضخ أكثر من خمسة مليارات دولار لدعم الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحادًا، عبر تمويل مشاريع البنية التحتية والملاعب والمراكز الفنية والمسابقات المحلية، إضافة إلى دعم التكاليف التشغيلية ومساندة احتياجات المنتخبات الوطنية في الدول الأكثر احتياجًا، بما يجعل استمرارية المنافسات ممكنة في عدد كبير من الدول التي تفتقر للموارد الذاتية اللازمة.
وشهدت البطولات الدولية توسعًا ملحوظًا بهدف جعل كرة القدم أكثر عالمية، حيث سيقام كأس العالم 2026 بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى، بما يتيح فرصًا أوسع للدول للمشاركة ويعزز التطوير المحلي، في حين تم إطلاق النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية بمشاركة 32 فريقًا، ضمن توجه يوسع نطاق التمثيل ويعكس تعدد مراكز المنافسة عبر القارات.
وامتد هذا التوسع إلى بطولات الفئات السنية، مع زيادة عدد البطولات وتوسيع نطاقها ورفع وتيرة المباريات التنافسية، بما يسهم في سد فجوات التطوير بين المناطق ويمنح اللاعبين الشباب تعرضًا تنافسيًا منتظمًا.
ويدخل ضمن ذلك" خطة تطوير المواهب" بقيادة أرسين فينغر، التي تستهدف إنشاء 75 أكاديمية مواهب بحلول عام 2027 لتوسيع مسارات اكتشاف وتطوير الموهوبين عالميًا.
وعلى صعيد كرة القدم النسائية عالميًا، شهد العقد الماضي توسعًا في حجم المنافسات والاستثمار، حيث استُضيفت كأس العالم للسيدات 2023 بمشاركة 32 منتخبًا، مع خطط لتوسعتها إلى 48 منتخبًا اعتبارًا من 2031، إلى جانب ارتفاع الاستثمارات والجوائز وإطلاق مسابقات جديدة، وتوسيع برامج التطوير القاعدي التي تشمل التدريب والتحكيم وبيئات الأداء العالي لضمان نمو مستدام يتجاوز البطولات الكبرى.
وواصل فيفا توسيع الاعتماد على التكنولوجيا في التحكيم، من خلال تطبيق نظام حكم الفيديو المساعد وتقنية التسلل شبه الآلية في عدد كبير من المسابقات حول العالم، بما يعزز دقة القرارات وجودة المنافسات، إلى جانب طرح حلول تقنية أكثر ملاءمة للمسابقات ذات الموارد المحدودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك