على مدى الأيام الماضية، محت السوق الأميركية نحو 800 مليار دولار من القيمة السوقية لعدد من عمالقة التكنولوجيا، بعد أن تبنّى المستثمرون رواية مفادها أن الذكاء الاصطناعي يتجه لـ" السيطرة على كل شيء" وقيادة الاقتصاد نحو حلقة انكماشية قاسية تبدأ بالاستغناء عن الموظفين وتنتهي بتآكل الاستهلاك، ثم مزيد من الأتمتة التي تعمّق الأزمة.
هذه الرؤية الكئيبة – التي نشرها مؤسس شركة" Citrini Research"، جيمس فان جيلين – سرعان ما تحولت إلى قناعة عامة، خصوصاً مع ما بات يعرف في وول ستريت بـ" Anthropic Takedowns"؛ وهي موجات الهبوط الحاد التي تصيب أسهم شركات كبرى فور إعلان شركة" أنثروبيك" تحديثات جديدة في قدرات نموذجها" كلود".
فقد شهدت أسهم" IBM" أسوأ جلسة لها منذ عام 2000 بعد كشف" Claude" عن قدرات في تبسيط أكواد" COBOL"، كما هبطت أسهم" Adobe" بنحو 30% منذ بداية العام، وتراجعت أسهم" CrowdStrike" بعشرين مليار دولار خلال يومين فقط بعد إطلاق أداة" Claude Code Security".
لكن، بعيداً عن صدمة السوق، طرحت" The Kobeissi Letter" سؤالاً معاكساً: ماذا لو كان السيناريو المتشائم خاطئاً؟هل يُفترض فعلاً أن تنكمش الأسواق عندما تنخفض تكلفة" القدرة الإدراكية"؟ أم أن التاريخ يقول العكس؟وفق التحليل، يفترض سيناريو" النهاية" أن الطلب ثابت وأن الإنتاجية المرتفعة ستؤدي فقط إلى الاستغناء عن الوظائف.
غير أن التجارب السابقة – من الكمبيوتر والإنترنت إلى الحوسبة السحابية – تُظهر أن انخفاض تكلفة الإنتاج لا يقلص السوق بل يوسّعه، ويخلق طلباً جديداً وصناعات لم تكن موجودة من قبل.
وكتبت النشرة البريدية التحليلية أن الصدمة الحقيقية ليست في موجات تسريح العمالة، بل في انهيار الأسعار.
فالذكاء الاصطناعي يضغط على كلفة الخدمات الأغلى تاريخياً – من المحاسبة والبرمجة إلى التسويق والدعم الفني – ومعها ترتفع القوة الشرائية للأفراد وتتراجع عوائق تأسيس الأعمال الصغيرة.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه" خفضاً ضريبياً غير مرئي".
ويذهب التحليل أبعد من ذلك، معتبراً أن الاقتصادات قد تنتقل من ما يسمى" Ghost GDP" – أي نمو لا يشعر به المستهلك – إلى ما يصفونه بـ" Abundance GDP"، وهو نمو حقيقي ناتج عن وفرة وانخفاض مستمر في الأسعار حتى لو تباطأ نمو الأجور.
أما على صعيد الوظائف، فيتوقع التقرير إعادة هيكلة واسعة، لا اختفاءً كاملاً.
فالذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة في المهام التي تتطلب مهارة يدوية أو تفاعلاً إنسانياً مباشراً، مثل الحرف المتخصصة والرعاية الصحية المتقدمة والصناعات التجريبية.
وفي الوقت نفسه، ستتسع مساحة ريادة الأعمال الفردية مع قدرة شخص واحد على تشغيل مشروع متكامل بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.
ورغم الضغوط التي يتعرض لها نموذج البرامج التقليدي (SaaS)، يشير التحليل إلى أن القيمة ستنتقل إلى الشركات القادرة على بناء وكلاء ذكيين يعتمدون على البيانات والثقة والحوسبة والطاقة، لا مجرد أدوات ثابتة.
اللافت أن الطرح يتضمن بعداً جيوسياسياً أيضاً: فالعالم عاش قروناً من الصراعات بسبب ندرة الموارد، لكن اقتصاد الوفرة الذي قد يخلقه الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلل دوافع الحرب، ويعيد تشكيل التجارة الدولية، ويجعل الحماية التجارية أقل منطقية.
واختتمت التغريدة بسؤال جوهري: ماذا لو لم ينته العالم بالذكاء الاصطناعي؟ وكانت هذه المرحلة مجرد انتقال وبداية لأكبر توسّع إنتاجي يشهده الاقتصاد الحديث.
الكاتب يرى أن الفرق بين" أزمة ذكاء عالمية" و" طفرة ذكاء عالمية" لا يتعلق بالقدرات التقنية، بل بقدرة الأنظمة على التكيف.
والتاريخ، كما يقول، يميل دائماً إلى جانب التكيف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك