لا اختلاف اليوم بين الباحثين في راهنية الفكر المقاصدي، بأصوله، وقواعده، وتطبيقاته في حل مشكلات العصر، والإجابة عن أكثر إشكالاته تركيبا وتعقيدا، وذلك لكون قواعده موصوفة بالعقلانية، والعلمية والسننية، وهي صفات حيوية في مسار هذا الفكر عموما.
وهي محل مراعاة من جميع الفقهاء والمصلحين والمفكرين بشكل عام، على اختلاف بينهم في نسب الإعمال قلة وكثرة، ضيقا وسعة.
ومن الوجهات التي ينبغي أن يؤمها الفكر المقاصدي في جانب التنظير والإعمال، القضايا السياسية المعاصرة، باعتبار أن أهمية المشروع المقاصدي تمتد إلى كل قضايا الإنسان وحقوقه المادية والمعنوية وغيرها.
وقد برز في هذا المضمار الكثير من الرواد الذين ربطوا مقاصد الشريعة بتطبيقاتها المعاصرة، والمستجدة نذكر منهم، العلامة المقاصدي أحمد الريسوني، وقبله أسجل الريادة المبكرة والشجاعة للأستاذ علال الفاسي(ت1974م) رحمه الله، حيث اتسمت كتاباته في المقاصد بالربط الفوري مع تطبيقاتها المعاصرة، فالمقاصد عنده تعني الحرية والتحرر، وتعني حقوق الإنسان، وتعني حقوق العمال، وتحرير المرأة، وتعني العدالة الاجتماعية وغيرها، وقبلهما معا نذكر العلامة المقاصدي الطاهر بن عاشور(1393هـ) الذي واصل عمل الشاطبي(ت790هـ) واقتفى أثره وأتمّ ما بدأه.
وإذا كان الاجتهاد ينقسم إلى اجتهاد بياني، وهو الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية وبيان مضامينها ومعانيها وأحكامها، واجتهاد قياسي، وهو المعتمد على القياس، حيث يرتكز على قياس الوقائع الجديدة التي لا نص فيها على نظائرها المساوية لها في علة الحكم، فإن مرتكز الاجتهاد المقاصدي يتمحور حول المصالح والمقاصد الشرعية، حيث يسعى لإبرازها، والبناء عليها مستعينا في ذلك بالأصول والضوابط الشرعية ذات الصلة، مثل أصل المصلحة المرسلة، وأصل سد الذرائع وفتحها، وقواعد الموازنة، والترجيح بين مختلف المصالح والمفاسد.
وبخصوص الخطاب المقاصدي المصلحي، فهو الخطاب المفعم بمقاصد الشريعة، المنشغل بمصالح الإنسان على مستوى التأصيل والتفعيل والتنزيل العملي، بحيث يدرك حامل هذا الخطاب أغراض الشارع، ويفقه مقاصده من التشريع، ويسترشد بها، ويعمل على تنزيلها بحسب ما يوافقها، ويحقق أهدافها التي هي مصالح الإنسان على الوجه الأمثل في كل المجالات والقضايا العلمية والعملية.
وبخصوص القضايا السياسية المعاصرة، فلا أحتاج للتأكيد على أن الفقه السياسي الذي اهتم بها هو علم نافع باعث على العمل تحقيقا لقصد الشارع رغم ورود معظم نصوصه وأحكامه عامة وكلية، حيث يندرج ضمن العلم الذي استحسنه الشرع باعتباره علما باعثا على العمل، ومتعلقا بجوانب مختلفة من حياة الإنسان، سواء الفردية أو الجماعية.
ومن القضايا السياسية المعاصرة التي تحتاج لمزيد من الدراسة والبحث خاصة من وجهة نظر مقاصدية: “السلطة السياسية” سواء من جهة شرعية التأسيس والبناء، أو من جهة مشروعية التدبير والأداء.
واعتبارا لراهنية الفكر المقاصدي بأصوله وقواعده ومسالكه وتطبيقاته في حل مشكلات العصر التي من أبرزها القضايا السياسية، فإن هذه السلسلة من المقالات تسعى لمعالجة إشكال مركزي يتمثل في: “إعمال النظر المقاصدي في أحد أهم القضايا السياسية المعاصرة تأصيلا وتحليلا وتنزيلا، ألا وهي قضية: “السلطة السياسية بين شرعية البناء والتأسيس، ومشروعية الأداء والتدبير”.
وتتجلى أهمية هذه السلسلة في قيمة الموضوع الذي تعالجه، سواء على مستوى المضمون، أو على مستوى زاوية المعالجة، أو المنهج المعتمد.
وأهميتها كذلك تبرز من أهمية النظر المقاصدي في فهم وتنزيل الأحكام الشرعية، بما يتناسب ومقاصد الشريعة، وكيف يتم على أساسها إيجاد الحلول الناجعة للكثير من المشكلات السياسية المعاصرة.
هادفين إلى البيان العلمي المفعّل للنظر المقاصدي في القضايا السياسية.
مع بيان أثر الاجتهاد المقاصدي وقدرته في الإجابة عن مختلف القضايا السياسية المعاصرة.
، كما الإجابة بمنظور مقاصدي عن مختلف الإشكالات العلمية والقضايا المتعلقة بإشكالية السلطة السياسية، على مستوى شرعية التأسيس، ومشروعية التدبير.
وفي هذا السياق وجب التمييز منذ البداية ومعرفة حدود كل من السياسة الشرعية والشرعية السياسية، “فالسياسة الشرعية مصطلح تاريخي وهو وليد فقه التكيف: تكيف المبادئ مع واقع القوة القاهرة، والسعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تحت سقف الاستبداد السياسي الذي عرفته بعض مراحل التجربة السياسية للأمة تاريخيا، بعد اليأس من تأسيس السلطة على أسس شرعية.
أي أن المرونة كانت هي حاكمة السياسة بمنظور السياسة الشرعية، بما يعنيه التنازل أحيانا عن بعض القيم والمبادئ السياسية وطريقة تنزيلها بهدف الحفاظ على وحدة الأمة والمجتمع والدين رغم الواقع الموسوم بالقهر والجبر، أما الشرعية السياسية فهي “مفهوم شرعي يستلزم تكييف الواقع مع متطلبات المبدإ، وهو ينبني على أمل صلب في الإصلاح، وإيمان بموجبه وضرورته وإمكانياته، ومحاكمة الواقع بالمبدإ لا بتكييف المبدإ مع الواقع”.
حتى يصبح الواقع محكوما بالمبادئ والقيم بدلا أن يصير هو الحاكم عليها.
ولأن تاريخ الفقه السياسي الإسلامي في مجمله كان فقه تكييف وتسويغ كما قال الباحث آنفا “ساد في الثقافة الإسلامية منطق السياسة الشرعية لا منطق الشرعية السياسية.
لذلك سنسعى من خلال هذه المقالات تناول إشكالية شرعية السلطة السياسية من منظور مقاصدي، من خلال إبراز المرجعيات الشرعية في تأسيس السلطة السياسية، كمرجعية النصوص الشرعية، ومرجعية مقاصد الشريعة، ومرجعية المصالح الشرعية، ومرجعية المقوم العقدي، ومقوم حاكمية الشريعة.
كما سأتناول أهم الكليات الشرعية في تأسيس السلطة السياسية، والتي بدونها تسقط السلطة في أزمة للشرعية.
ثم انتقل للحديث عن شرعية السلطة في التجربة السياسية التاريخية للأمة الإسلامية، بدءا بالحديث عن دولة الشرعية السياسية، أي مرحلة البعثة المحمدية والخلافة الراشدة ومعالم تأسيس الشرعية بهما، ثم الحديث عن الشرعية السياسية في دولة ما بعد الخلافة الراشدة والتحول التاريخي الذي حدث، حيث انتقل الاهتمام بالشرعية السياسية إلى الاهتمام بالسياسة الشرعية، وصولا للحديث عن دولة الشرعية الوضعية في الدولة المعاصرة.
بعد ذلك انتقل للحديث عن أهم القواعد والآليات المؤسسة لمشروعية تدبير السلطة السياسية من منظور مقاصدي مبينا أثر النظر المقاصدي في تدبير السلطة السياسية، ثم أبين مكانة الشريعة ومقاصدها في تدبير السلطة، لينتقل الحديث إلى قواعد المشروعية في ممارسة السلطة السياسية، كالمشاورة في التدبير والأداء، والنصيحة السياسية، والتيسير والرفق بالناس، والاتصال والتواصل السياسي، والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
مرورا ببيان أصول وآليات تنزيل المشروعية في تدبير السياسات.
كأصل التداول السلمي على السلطة، وأصل الفصل بين السلطات، وأصل التعددية الحزبية، وأصل إشراك المجتمع المدني.
مبرزا أليات تنزيل المشروعية والسبل المجلية لها كآلية المشاركة والمعارضة السياسيتين في تدبير السلطة السياسية، وآليات التدبير المصلحي في العلاقات الخارجية للسلطة.
وتبقى الإشارة إلى أن القضايا السياسية المعاصرة خاصة ما يتعلق بموضوع السلطة، من الموضوعات الجديدة التي تحتاج للمزيد من الجهد العلمي والبحث الأكاديمي.
ولاشك أن مجال الفقه السياسي الإسلامي مجال خصب يحتاج إلى مزيد من البحث والنظر في مختلف قضاياه، ولعل النظر المقاصدي المسترشد بنصوص الشريعة وروحها والمنفتح على مختلف التجارب والخبرات الراشدة المتراكمة في مختلف العلوم الإنسانية لجدير بالدراسة والبحث والاهتمام، باعتبار الفقه السياسي هو فقه متغير في جزئياته وتفاصيله بما تقتضيه ظروف وأحوال كل زمان ومكان.
آمل أن تسهم هذه السلسلة في فتح نقاش جاد في تناول قضية من أشد القضايا أهمية وراهنية بمنظور مقاصدي، عساها كذلك أن تقرب المسافات بين النقاش العلمي الأكاديمي ونقاشات السياسيين والمهتمين بقضايا الشأن العام تنويرا للفكر وترشيدا للممارسة وطلبا للتجديد والارتقاء.
______________________________________________________________________________________________________________.
[1]- الشنقيطي، الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط1، الدوحة – قطر، 2018، ص: 72.
[1]- ينظرالشنقيطي، المرجع نفسه، ص: 72.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك