لم تعد الأزمات في عالم اليوم أحداثًا عابرة يمكن احتواؤها بقرار إداري منفرد أو تدخل طارئ محدود، بل أصبحت ظواهر مركّبة تتسم بالمفاجأة، وتسارع الأحداث، ونقص المعلومات، وفقدان السيطرة، وارتفاع مستويات القلق المجتمعي في ظل هذه البيئة المتقلبة، برز مفهوم تمكين المجتمع بوصفه أحد أهم المداخل الحديثة في إدارة الأزمات، ليس فقط كأداة استجابة، بل كفلسفة وقائية واستراتيجية استباقية تعزز قدرة الأفراد والمؤسسات على التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى كوارث.
يرتبط مفهوم التمكين بمفهومي القوة واللاقوة كما طرحهما الباحثان Moscovitch وDrover، حيث يُفهم التمكين باعتباره عملية نقل أو توزيع أو تعزيز مصادر القوة داخل المجتمع أو المؤسسة، وقد عرّفت Cornell Empowerment Group القوة بأنها القدرة على إحداث تأثيرات مقصودة وغير مقصودة في الآخرين، وهو تعريف يفتح المجال لفهم التمكين بوصفه توسيعًا لدوائر التأثير الإيجابي داخل البنية المؤسسية والمجتمعية، كما أشار John Kenneth Galbraith إلى أن مصادر القوة تتنوع بين الثروة، والشخصية، والنفوذ المؤسسي، غير أن الخلل في توزيع هذه المصادر يؤدي إلى هشاشة مجتمعية تزيد من احتمالية تفاقم الأزمات.
من هذا المنطلق، يصبح التمكين في سياق إدارة الأزمات عملية مقصودة تهدف إلى تعزيز الاستقلالية، وبناء الثقة، وتوفير المعلومات، وتطوير المهارات، ومنح الأفراد صلاحيات اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة، فالأزمة بطبيعتها لا تمنح وقتًا كافيًا للتسلسل الإداري التقليدي، بل تتطلب قرارات سريعة مبنية على وعي وخبرة ومسؤولية، وعندما يشعر الموظف أو الفرد المجتمعي بأن لديه القدرة والصلاحية للتصرف، فإنه يتحول من عنصر متلقٍ للأوامر إلى فاعل أساسي في احتواء الموقف.
لقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من الأزمات لا تنشأ فقط بفعل عوامل خارجية، بل قد تكون نتاج خلل داخلي في الإدارة أو ضعف في الحوكمة أو غياب الشفافية، ويكفي التذكير بأزمة Petra Bank في الأردن، والتي شكّلت مثالًا على كيف يمكن لسوء الإدارة وضعف الرقابة أن يتحولا إلى أزمة مالية ذات أبعاد وطنية، هنا يظهر دور التمكين في خلق ثقافة مؤسسية قائمة على المساءلة والمشاركة والشفافية، مما يسمح باكتشاف مؤشرات الخطر مبكرًا قبل أن تتحول إلى انهيار شامل.
كما أن التمكين لا يقتصر على الإطار المؤسسي الضيق، بل يمتد إلى البعد المجتمعي الأوسع، حيث أصبح إشراك المجتمع المحلي في إدارة المخاطر أحد المرتكزات العالمية للحد من الكوارث، فقد أكدت المؤتمرات الدولية المتعاقبة، بدءًا من مؤتمر يوكوهاما عام 1994 وصولًا إلى مؤتمر سنداي عام 2015، على أن بناء مجتمعات قادرة على الصمود يتطلب إشراك السكان المحليين في التخطيط والتنفيذ والتقييم، فالمخاطر الطبيعية قد لا يمكن منعها، لكن تحويلها إلى كوارث يرتبط بمدى جاهزية المجتمع واستعداده.
إن ضعف مشاركة المجتمع في إدارة الأزمات غالبًا ما ينتج عن ثقافة الاعتماد الكامل على الدولة، وغياب التدريب، ونقص المعرفة العلمية بأساليب الاستجابة، مما يؤدي إلى الارتباك والتردد عند وقوع الأزمة في المقابل، فإن المجتمعات التي تمتلك نظم إنذار مبكر، ولجانًا محلية مدربة، وخططًا واضحة لتوزيع الأدوار، تكون أكثر قدرة على تقليل الخسائر البشرية والمادية، وقد أشار خبراء العمل الإنساني إلى أن نسبة كبيرة من الأرواح التي تُنقذ في الكوارث يتم إنقاذها بواسطة أفراد المجتمع أنفسهم قبل وصول الفرق الرسمية، وهو ما يعكس الأهمية الجوهرية للتمكين المجتمعي.
وفي هذا السياق، يتداخل تمكين المجتمع مع مفاهيم العدالة التشاركية والتخطيط المجتمعي، حيث تسعى الاتفاقيات المجتمعية إلى ضمان مشاركة حقيقية للسكان في القرارات التي تمس بيئتهم وظروفهم المعيشية، فالمشاركة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي قدرة مستدامة تعزز الإحساس بالمسؤولية والانتماء، وتخلق شراكة متوازنة بين المجتمع والسلطات المحلية.
ومن منظور إداري، يحقق التمكين فوائد مباشرة للمؤسسة في سياق الأزمات، إذ يؤدي إلى رفع الإنتاجية، وتقليل الغياب الوظيفي، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الابتكار، وزيادة التعاون في حل المشكلات، أما على المستوى الفردي، فإنه يشبع حاجات تقدير الذات، ويرفع مستوى الولاء، ويعزز القدرة على تحمل ضغوط العمل، ويعمق الشعور بالمسؤولية وهذه العناصر جميعها تشكل ركيزة أساسية في إدارة الأزمات، حيث يتطلب التعامل مع الظروف الاستثنائية موارد بشرية متماسكة نفسيًا ومهنيًا.
إن إدارة الأزمات في القرن الحادي والعشرين لم تعد مسألة خطط طوارئ مكتوبة توضع على الرفوف، بل أصبحت عملية ديناميكية تقوم على بناء رأس مال اجتماعي قادر على التكيف والتعلم المستمر، فالاستجابة الفعالة لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل قبلها بسنوات، عبر الاستثمار في التعليم والتدريب، وتعزيز ثقافة المشاركة، وتطوير التشريعات الداعمة، وإنشاء قنوات اتصال مستمرة بين مراكز إدارة الأزمات والمجتمع المحلي.
وبذلك يمكن القول إن تمكين المجتمع ليس خيارًا تكميليًا في إدارة الأزمات، بل هو شرط أساسي لنجاحها، فكلما اتسعت دائرة القوة داخل المجتمع وتوزعت المعرفة والمهارات والصلاحيات بشكل عادل، تقلصت مساحة الهشاشة، وازدادت القدرة على الصمود، إن الأزمات تكشف مواطن الضعف، لكنها في الوقت ذاته تفتح المجال لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشراكة والثقة المتبادلة.
في النهاية، لا يمكن لأي دولة مهما بلغت إمكاناتها أن تواجه الكوارث بمفردها، فالمجتمع هو خط الدفاع الأول، وهو أيضًا شريك التعافي وإعادة البناء، ومن هنا فإن الاستثمار في تمكين الأفراد والمؤسسات المحلية يشكل حجر الزاوية في بناء مجتمعات مرنة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى مسارات تعلم ونمو مستدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك