في خضم الجدل الذي أثاره القرار المشترك لوزير الداخلية ووزير الصحة والحماية الاجتماعية رقم 1250.
25 صادر في 15 من ذي القعدة 1446 (13 ماي 2025) يتعلق بتحديد معايير الصحة والسلامة الواجب التقيد بها في عمليات دفن الجثث ونقلها وإخراجها من القبور، الذي نص في مادته الخامسة على المعايير التي يجب أن تتوفر في سيارة نقل الأموات، ومنها « أن لا تتضمن أي عبارات باستثناء شريطين أخضرين على الجانبين وكتابة عبارة « نقل الأموات » فقط مع الإشارة إلى مالك المركبة، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كان الأمر يتعلق بتدبير إداري تقني بسيط، أم بقرار ذي حمولة رمزية وثقافية ودينية عميقة لم يُحسن تقدير أثرها؟إن عبارة « لا إله إلا الله محمد رسول الله » التي تحملها مركبات نقل الأموات، ليست شعارا سياسيا، ولا لافتة حزبية، ولا رسالة ظرفية مرتبطة بسياق انتخابي أو إيديولوجي، إنها تتضمن كلمة التوحيد، التي تتعالى على جميع العصور والأزمنة، وتتجاوز كل الانقسامات الممكنة، إنها إعلان أن الدنيا ببشرها وشجرها، وبكل تنوعها واختلاف الأعراق والأجناس والديانات فيها، إنما هي من خلق إله واحد، إنها ليست مِلكا لأحد حتى تُستعمل أو تُمنع، وليست أداة قابلة للاستثمار أو الاستغلال السياسي أو الديني، إلا إذا أراد البعض توظيفها خارج معناها المتعالي.
وطبعا أي استغلال سياسي أو ديني لعبارة التوحيد، أو الشهادتين، أمر مرفوض، لكن مواجهة احتمال الاستغلال لا تكون بإقصاء الرمز ذاته، فهل عجز محرر القرار أو من فكّر فيه، عن التمييز بين قداسة الكلمة وسوء استعمال البشر لها؟مع الأسف، الهدف المعلن من القرار يبدو غير واضح وغير مقنع، ومن حق المغاربة أن يتساءلوا، من اشتكى من وجود عبارة لا إله إلا الله على سيارات نقل الموتى؟ وكم يبلغ عدد الموتى من غير المسلمين في المغرب، قياسا بالأغلبية الساحقة من المواطنين المسلمين؟ وهل سُجل اعتراض من جهة ما أو من مواطنين مغاربة، على نقل الأموات عبر مركبات تحمل هذه العبارة؟ ثم هل وقع اعتداء على مقابر غير المسلمين، أو تم منع دفنهم وفق شعائرهم حتى يؤوّل الأمر بأنه يدخل في باب حماية التعدد الديني؟المغرب بلد عاش فيه اليهود والمسيحيون قرونا في ظل احترام متبادل مع المسلمين، ولا أحد ينكر أن مقابرهم قائمة ومحفوظة، وأن الدولة ترعى شؤونهم الدينية من المهد إلى اللحد، فلماذا إذن يُتخذ قرار يمس رمزا دينيا مركزيا لدى الأغلبية، دون نقاش مجتمعي موسع أو توضيح كافٍ؟إن مثل هذه القرارات، بدل أن تُحصّن المجتمع، قد تفتح الباب أمام خطاب متطرف يزرع الشعور بأن هناك تضييقا على الإسلام في بلده، فيتغذى على الإحساس بالاستهداف الرمزي، ومعلوم أن التطرف لا يعيش فقط على الفقر أو التهميش، بل يعيش أيضا على الشعور بالإهانة الرمزية.
ولا حاجة للتذكير بأن علاقة المغاربة بالإسلام علاقة خاصة وعميقة، إذ سجلت صفحات التاريخ أنهم قد يصبرون على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم لا يتسامحون بسهولة مع ما يفهمونه مساسا بدينهم، أو محاولة لتحييده من الفضاء العام بشكل فجائي وغير مبرر.
وليس عبثا أن ينص دستور المملكة على أن الإسلام دين الدولة، وأن تقوم إمارة المؤمنين في المغرب على البيعة، وهي في جوهرها تعاقد ديني إسلامي، قبل أن تكون تعاقدا سياسيا أو اجتماعيا، فالهوية الدستورية للمغرب ليست طارئة، بل ممتدة في التاريخ، ومؤسسة على مرجعية دينية واضحة.
إن المطلوب اليوم هو التدخل لمنع تأجيج العواطف، ومنع تحويل الموضوع إلى معركة أيديولوجية، وذلك بتقديم توضيحات شفافة للرأي العام حول الدافع الحقيقي للقرار والسند القانوني فيه؟ وما البدائل المطروحة؟ وكيف يمكن الحفاظ على احترام التعدد دون المساس بالثوابت الجامعة؟إنه حين يتعلق الأمر برمز بحجم كلمة التوحيد أو الشهادتين، فإن المسؤولية تقتضي الإنصات لنبض المجتمع، لأن إدارة الرموز ليست كإدارة المرافق العمومية، فالرموز تعيش في وجدان الناس، وأي اقتراب منها بلا تمهيد ولا تفسير كافٍ قد يُفهم خطأ، ولو كانت النيات غير ذلك.
وفي اللحظات التي تتكاثر فيها أسباب الاحتقان، قد يكون من الحكمة اختيار واتخاذ القرارات التي تجمع ولا تفرق، وتطمئن ولا تستفز، وتحفظ الثوابت دون أن تُغلق باب الاجتهاد إذا كانت له دواعي موضوعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك