سأل أحد الشباب فضيلة الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، عن حدود رقابة الأهل ومساحة الخصوصية المسموح بها، وكان رد فضيلته أن الشرع كفل للإنسان مساحة من الخصوصية والاستقلال، وحرم التجسس وتفتيش الهواتف الخاصة بالأبناء بمجرد بلوغهم سن الرشد، وقد استشهد في ذلك بقول الله تعالى (ولا تجسسوا)، وقد أضاف أنه بمجرد تجاوز الشاب سن الثامنة عشرة، فقد نال استقلاليته وأي شخص ينظر في هاتفه دون إذن فهو أمر ممنوع شرعاً، سواء كان الفاعل الأب أو الأم، وينطبق الحكم على الزوجة أو الأبناء تجاه آبائهم، فالإنسان في هذه المرحلة يصبح مسئولاً عن تصرفاته أمام الله عز وجل.
ربما يعد هذا الرأي مقبولاً من الناحية النظرية، ولكن إذا ما طبقناه عملياً في ضوء ما يتعرض له شبابنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة التي تلح على الجميع كباراً وصغاراً بكل ما هو مفسد ورديء، فإننا نجد أنفسنا أمام معضلة كبيرة لم يوضح لنا الشيخ حلها، فالهواتف التي يطالب الشيخ علي جمعة باحترام خصوصية أصحابها ممن هم في أخطر سن يمر به الإنسان، هي نفسها مصدر كبير للانحراف والفساد، وسن الثامنة عشرة هو سن لا يزال الشاب فيه صغيراً على فكرة الحرية والاستقلالية والخصوصية، ومثل هذه الأمور تحتاج تأسيس قوي منذ سنوات مبكرة يمكن للأهل فيها إدراك من يستحق هذه الحرية، ومن يجب أن يظل تحت بصرهم ومراقبتهم.
فالحياة اليوم تحاصرنا جميعاً بأمور ما كان لها وجود منذ سنوات قليلة، حينما كان الناس متشابهين والقيم سائدة والأخلاق مستقرة، ومنافذ السوء واضحة يمكن سدها وتقويم من يقترب منها، أما اليوم فمهمة الآباء غاية في الصعوبة، فأبناؤهم محاصرون بوباء المخدرات وأصدقاء السوء والانحرافات الأخلاقية والاجتماعية وغياب المثل الأعلى والمظاهر الاجتماعية السلبية، ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي وما تقدمه من أشياء قبيحة تتجه بشبابنا نحو خطر داهم، فكيف في كل هذا نطالب الأهل بعدم مراقبة أهم وسيلة تدفع بأبنائهم نحو الهلاك.
ثم حين يقع أحدهم فريسة لمثل هذه الانحرافات يكون أول رد فعل موجه نحو الأهل.
أين كنتم حين انحرف أولادكم؟المشكلة صعبة ومعقدة ومتشابكة وليس كل شاب وفتاة يجيد استخدام الوسائل المتاحة له استخداماً مفيداً، بل هو في الغالب ينجذب نحو أشياء ما كانت متاحة لمن هم مثله في عهود سابقة، فكيف لشاب في الثامنة عشرة أو حتى في العشرين أن يقاوم إلحاح الشياطين ممن يدسون السم في العسل ويتسابقون لجذب الناس إلى المكسب السريع وتحطيم كل ما هو مقدس من حرمات، وقد شاهدنا جميعاً من يعرضون بيوتهم وحياتهم الخاصة ونسائهم وأبنائهم وبناتهم، يتسولون أحياناً ويزايدون في الابتذال أحياناً أخرى.
ثم نأتى بعد كل هذا ونطالب الأهل باحترام خصوصية قد تودي بأبنائهم إلى التهلكة، في الوقت الذي نجد فيه أن من نطالب بخصوصيتهم لا يزالون يتناولون مصروفهم ومصاريف دراستهم وطعامهم وشرابهم وكل احتياجاتهم من الأهل فهم لم يستقلوا بعد، فهم لم ينتهوا من دراستهم ولم يعملوا وتحيط بهم الأخطار من كل جانب.
كنت أتمنى أن يقول الدكتور علي جمعة إن الشاب طالما هو تحت مسئولية والديه، وفي سن لا يزال حرجاً فهو بالتالى لا يزال تحت الوصاية، وهو ما يوجب على والديه حمايته حتى من نفسه، وكل هذا لا يعني أن يبالغ الآباء في اقتحام خصوصية الأبناء، ولكن يمكنهم تقدير المساحة المناسبة لكل فعل.
ربما هذا الرأي لن يعجب الشباب كثيراً، ولكن بعد سنوات النضج وبعد أن يصبحوا آباء وأمهات قد يدركون أهمية ما فعله آبائهم من أجل الحفاظ على مستقبلهم وعلى استقامة حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك