في ظرف قياسي، تراجعت الحكومة المغربية عن قرارها القاضي بحذف عبارات إسلامية من سيارات نقل الأموات، ونشرت أمس الخميس قرارًا جديدًا في “الجريدة الرسمية” يبرز العبارات المطلوبة.
الخطوة التي أثارت استغراب فئة واسعة من المغاربة، على اعتبار أن الحكومة لا تتراجع عن أي قرار اتخذته مهما كانت حدة الجدل، وصفها بعض المراقبين بأنها استجابة للضغط الشعبي والحقوقي، لتعلن رسميا تراجعها عن الصيغة المثيرة للجدل المتعلقة بقرار تنظيم سيارات نقل الأموات، مؤكدة الإبقاء على العبارات الإسلامية التقليدية على الهياكل الخارجية لهذه السيارات، وذلك بعد موجة من الانتقادات اتهمت الحكومة بـ”المساس بالهوية الدينية للمغاربة” في صيغة القرار الأولى.
من جهتها، أوضحت الحكومة، على لسان الناطق الرسمي باسمها، أن الوثيقة التي تم تداولها سابقا كانت مجرد “مسودة تنظيمية تقنية” لم تكتمل صياغتها النهائية.
وأكد المسؤول الحكومي أن القرار المشترك الجديد بين وزارتي الداخلية والصحة سيسمح صراحة بكتابة آيات قرآنية وعبارات التوحيد، مع وضع إطار تنظيمي يمنع العشوائية في الخطوط والزخارف.
ويعود أصل المشكل إلى مطلع الشهر الحالي، حين جرى تداول مضامين قرار وزاري مشترك بين الداخلية والصحة، ينظم قطاع نقل الأموات ويهدف إلى توحيد الهوية البصرية للسيارات المخصصة لهذا الغرض في كافة بلديات المغرب.
ووفق نص القرار الأول، فقد تقرر الاكتفاء بعبارة “نقل الأموات” باللغتين العربية والأمازيغية وحذف كلمة “المسلمين” منها، مع منع أي رموز أو شعارات أخرى، وهو ما فهم منه حظر الآيات القرآنية مثل “كل نفس ذائقة الموت” وشهادة “لا إله إلا الله”، مما أثار غضبا عارما لدى الرأي العام.
واعتبر مدونون ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي أن القرار يمثل “علمانية قسرية” لا تراعي خصوصية المجتمع المغربي المسلم، فيما دخلت أحزاب سياسية وهيئات دينية على الخط، مطالبة باحترام “حرمة الموت” والتقاليد الجنائزية المتوارثة.
بينما رحب البعض بالقرار الأول باعتباره في نظرهم يجسد “حيادية” الدولة في التعامل مع كل مكونات المجتمع، بمن فيهم الأقلية اليهودية.
ووفق المعطيات الجديدة، فإن الصيغة الحالية تفرض لونا موحدا للسيارات (الأبيض) مع شريطين أخضرين، وخطوطا طباعية واضحة باللون الأسود أو الأخضر الداكن.
وأيضا التركيز على الجانب الصحي، بما في ذلك إلزامية توفر أنظمة تبريد متطورة، وفصل كامل بين مقصورة السائق ومكان وضع النعش.
ويرى مراقبون أن الحكومة، من خلال سرعة تراجعها، ترغب في تفادي أي احتقان اجتماعي جديد، خاصة في ظل النقاشات الساخنة التي تشهدها البلاد حول الحريات الفردية والقوانين الجنائية.
فيما اعتبر محللون أن “معركة سيارات نقل الأموات” كشفت عن حساسية مفرطة لدى الرأي العام المغربي تجاه أي تغيير يمس الرموز الدينية في الفضاء العام.
وكما تفاعل المغاربة مع قرار الحذف، كان تفاعلهم أكبر مع قرار التراجع.
الصحافي والأديب لحسن العسيبي اعتبره “أسرع تعديل ربما لقرار وزاري في تاريخ المغرب”، وسلط الضوء على الأبعاد التاريخية والسياسية لقرار التراجع الحكومي، معتبرا إياه تصحيحا لخطأ “حضاري وتواصلي” وتكريسا لإرث وطني عريق.
وكشف العسيبي أن الهوية البصرية لسيارات نقل الأموات (اللون الأبيض والشهادتان) تعود إلى مبادرة من الزعيم المغربي الراحل عبد الرحمن اليوسفي إبان فترة المقاومة سنة 1949، وانطلقت من الأحياء العمّالية في الدار البيضاء لتمييز جنائز المسلمين عن غيرهم في إطار التعددية المغربية.
ووصف الصحافي إلغاء القرار الصادر بـ”أسرع نسخة” لقرار وزاري في تاريخ المغرب (أقل من 10 أشهر)، بعدما اصطدمت السلطة بمرجعية تاريخية ودينية متجذرة.
واعتبر أن ما حدث هو “انتصار مزدوج” لفكرة الراحل اليوسفي، سواء في مرحلة النضال ضد الاستعمار أو في الحاضر، مؤكدا أن العودة إلى الأصل “فضيلة” تحسب للوزيرين المعنيين (في الصحة والداخلية).
ويرى العسيبي أن القرار الجديد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعادة للاعتبار لرموز الهوية الوطنية والتمييز الإيجابي الذي رسخته الحركة الوطنية منذ عقود.
الوزير السابق والقيادي في حزب “العدالة والتنمية” المعارض، خالد الصمدي، حذّر من مغبة اتخاذ قرارات إدارية متسرعة تحت غطاء “التسامح والحياد”، معتبرا في تدوينة أن محاولة فرض الحياد الديني على سيارات نقل الموتى كادت أن تتحول إلى وسيلة لنشر الكراهية وتهديد السلم الاجتماعي عبر استعداء الغالبية المسلمة ضد الأقليات دون وجه حق.
واستنكر الصمدي كيفية مرور هذا “العبث”، وفق تعبيره، من مصفاة الأمانة العامة للحكومة رغم أدوارها التدقيقية، واصفا الواقعة بـ”التسلل الواضح” الذي يفتقر إلى أدنى أبجديات الحكامة.
وخلص إلى أن تراجع الدولة عن هذا القرار لا ينقص من هيبتها، بل يعزز احترامها وقربها من وجدان المواطنين الذين استشعروا “الأمان الروحي” بعد تدخل الحكماء لإعادة الأمور إلى نصابها، مؤكدا أن العودة إلى الصواب هي قمة الحكمة التي قطعت الطريق على محاولات توريط الدولة في قرارات تصطدم مع ثوابت الهوية الوطنية.
واختصرت الأكاديمية لطيفة البوحسيني موقفها في التأكيد على أننا “نحن أحفاد شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي والمختار السوسي والخطابي، نقول لكم: لن نتخلى عن رموز ديننا وهويتنا وعمقنا الحضاري”.
في المقابل، انتقد الباحث الأكاديمي عمر الشرقاوي القرار الحكومي، معتبرا الواقعة دليلا على “ارتباك إداري” وفشلا في استقراء الأثر الاجتماعي للقرارات قبل صدورها.
وأشار في تدوينة على فيسبوك إلى أن الأزمة ليست في النص القانوني، بل في “العقلية البيروقراطية” التي تصيغ قرارات تمس الوجدان الجمعي (كالهوية والطقوس الجنائزية) دون تقدير لحساسيتها الثقافية.
وزاد موضحا أن اتخاذ قرارات تتجاهل البيئة المجتمعية يجعل المؤسسات تبدو منفصلة عن الواقع، مما يضطرها للتراجع تحت ضغط “الاحتجاج الرقمي”، كما أن سيناريو “القرار ثم الجدل ثم التراجع” يسيء إلى صورة الدولة، ويضعف هيبتها، ويظهر مؤسساتها بمظهر الهشاشة أمام الضغط الشعبي.
ويخلص في تدوينته إلى ضرورة تفعيل “منظومة اليقظة السياسية” داخل الإدارة، لضمان صدور قرارات تحظى بالشرعية والقبول الاجتماعي سلفا، بدلا من الاصطدام بـ”حائط الهوية”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك