من أهم التحديات الجوهرية التى تواجه مصر، وهى تسابق الزمن للمستقبل الأفضل، مسألة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، فضغط اللحظة كثيراً ما يفرض قرارات صعبة، ليست شعبية بطبيعتها، ولكن نجاحها يعتمد على وجود أكبر قدر من الثقة المتبادلة، يقوم على الشفافية، وتوضيح الأسباب، وإشراك الرأى العام فى فهم التحديات والخيارات المتاحة، وهذا ما يحرص عليه الرئيس عبدالفتاح السيسى، منذ توليه قيادة البلاد.
وسبق أن أشرت -فى مقال سابق- إلى أن المجتمع المتماسك والواعى هو خط الدفاع الأول عن الدولة، وهو الشريك الأساسى فى أى مشروع للمستقبل، دون اعتباره مجرد متلقٍّ للسياسات.
ولا يمكن فصل معادلة ضغط اللحظة وصناعة المستقبل عن الدور الإقليمى والدولى لمصر، فالدولة المصرية ليست كياناً منعزلاً، بل فاعل رئيسى فى محيط إقليمى مضطرب، تتحمّل فيه مسئوليات تاريخية تتجاوز حدودها الجغرافية.
هذا الدور يفرض عليها أعباءً إضافية، لكنه فى الوقت نفسه يمنحها أوراق قوة سياسية واستراتيجية، وهنا، يصبح الحفاظ على استقلالية القرار الوطنى، وتوازن العلاقات الخارجية، جزءاً لا يتجزأ من عملية صناعة المستقبل، بما يضمن حماية المصالح المصرية فى عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى.
ويمثل كل من الإصلاح الإدارى، وتطوير مؤسسات الدولة عنصراً حاسماً فى هذه المعادلة، فالدولة القادرة على التخطيط للمستقبل، لا بد أن تمتلك جهازاً إدارياً كفؤاً، مرناً، قادراً على التنفيذ والمتابعة والتقييم.
البيروقراطية الجامدة التى تبدو كميراث ثقيل، تستهلك الجهد والموارد، وتضعف أثر السياسات، بينما تفتح علوم الإدارة الحديثة المجال على أوسع ما يكون أمام الابتكار وتحسّن جودة الخدمات وتعزّز ثقة المواطنين.
فى مقابل هذه الضغوط، تمسّكت الدولة المصرية بخيار استراتيجى طموح تمثل فى «رؤية مصر 2030»، تلك الأجندة الوطنية التى تم إطلاقها عام 2016 كخريطة طريق لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة.
هذه الرؤية لم تكن كغيرها، حبراً على ورق، لكنها تحولت إلى برامج ومشروعات على الأرض، مستهدفة إحداث النقلة النوعية المأمولة فى حياة المصريين.
ركزت «رؤية مصر 2030» على ثلاثة أبعاد رئيسية، أولها البعد الاقتصادى الذى يستهدف تحويل مصر إلى اقتصاد تنافسى متنوع قائم على المعرفة، وثانيها، البعد الاجتماعى الذى يهدف إلى بناء مجتمع عادل ومتكامل يتمتّع بجودة حياة مرتفعة، وثالثها، البعد البيئى الذى يسعى لتحقيق نظام بيئى متكامل ومستدام قادر على مواجهة التغيرات المناخية.
على مستوى المؤشرات، بدأت ملامح هذا المستقبل المأمول تظهر تدريجياً، ففى العام الماضى (2025) حقّق الاقتصاد المصرى قفزات نوعية، وفقاً لشهادات دولية، توقعت تحقيق معدل نمو بنسبة 5.
3% رغم الظروف الإقليمية الصعبة.
وشهد العام نفسه طفرة غير مسبوقة فى تحويلات المصريين بالخارج وصلت إلى نحو 30.
2 مليار دولار فى تسعة أشهر فقط، وارتفع احتياطى النقد الأجنبى إلى أكثر من 50 مليار دولار، وهو أعلى مستوى فى تاريخ مصر.
القطاعات الإنتاجية بدورها حققت أداءً لافتاً، فالسياحة (ذلك القطاع الواعد) استقبلت 18.
3 مليون سائح حتى أواخر 2025، مع توقّعات بالوصول إلى 19 مليون سائح، خلال العام الحالى بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير، وما صاحبه من ترحيب عالمى واسع.
وفى الصناعة، تجاوز عدد المصانع المسجّلة 68 ألف مصنع، وهو رقم غير مسبوق، مع استهداف الوصول إلى 100 ألف مصنع بحلول عام 2030.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك