في قلب البرّ الآسيوي، بعيدًا عن صخب الموانئ وسباق الأبراج، تعيد جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية أو لاوس تقديم نفسها لا كدولة حبيسة، بل كجسرٍ حيّ يعبره المسافرون.
فاستهدافها لجذب 5 إلى 6 ملايين سائح أجنبي في 2026 ليس شعارًا ترويجيًا، بل رهانًا على تحوّل بنيوي يصنعه الحديد أكثر مما تصنعه الحملات الدعائية، فسكة الحديد بين الصين–لاوس التي انطلقت عام 2021 بكلفة تقارب 5.
9 مليار دولار أميركي، ربطت فيينتيان بكونمينغ، وفتحت شهية الامتداد نحو تايلاند وفيتنام ودول آسيان.
الأرقام تمنح الرهان صدقيته، ففي 2025 استقبلت البلاد أكثر من 4.
5 مليون زائر، بزيادة 11 % عن 2024، متجاوزة الهدف الحكومي البالغ 4.
3 مليون.
قبل جائحة كوفيد-19 حققت السياحة في لاوس إيرادات قاربت 700 مليون دولار مع نحو 5 ملايين زائر سنويًّا، ما رسّخها كركيزة في الاقتصاد.
ومع إعادة الفتح عام 2022 استعادت هذا الزخم تدريجيًا، مستفيدة من تحسن الربط الإقليمي بعد تشغيل السكك الحديدية، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن تطوير النقل يخفض التكاليف ويعزز الاستثمار والسياحة.
لكن التحول في لاوس لا يقتصر على السكك الحديدية؛ إذ اختارت أن تنافس بالابتعاد عن الضجيج، وأن تروّج للندرة بدل السلع.
نموذجها أقرب إلى السياحة المجتمعية التي توزّع الدخل على القرى بدل تركيزه في المدن، حيث حقول الأرز وتحميص القهوة أمام الزوار ومزارعون يبدأون يومهم مع الضباب.
وتشير تقارير منظمة السياحة العالمية إلى أن إنفاق سائح الطبيعة يزيد بنحو 18 % عن سائح المدن، ما يعزز قيمة الإقامة في أكواخ جبلية نادرة.
وتاريخيًّا، تحقق الأسواق السياحية الناشئة أعلى عوائدها قبل بلوغ الذروة الجماهيرية، ولاوس تمر بهذه المرحلة.
من هنا تبرز زاوية الخليج العربي في تنويع الاستثمارات بعيدًا عن القطاعات التقليدية، بما يتقاطع مع بيئة لاوسية تتجه نحو تحديث صناعي وتحول رقمي ونمو أخضر.
الفرص لا تقتصر على الفنادق والنقل البري والخدمات الرقمية، بل تمتد إلى بناء قدرات إدارة الضيافة.
كما يمكن لخبرات الخليج في إدارة المناطق الاقتصادية والمطارات مواكبة اقتصاد العبور الذي تعززه السكك الحديدية.
ومع بلوغ سوق السفر الإسلامي 225 مليار دولار في 2023، يتجاوز دور المستثمر التمويل إلى صياغة المعايير وتنظيم القطاع.
ومع ذلك، لا مجال لرومانسية الأرقام.
فالنمو السياحي يثير أسئلة تتصل بالهوية والبيئة واتساع الفجوة بين العاصمة والأقاليم، وإذا لم تُحسن الإدارة قد تتحول السياحة من رافعة تنمية إلى عبء.
لذلك تتحدث الخطط الرسمية عن توازن بين الجذب والانضباط، وبين الانفتاح والاستقرار الاجتماعي.
في هذا السياق، لا تسعى لاوس إلى تضخيم الأعداد بقدر ما تراهن على نوعية الزوار.
كما أن الرهان الاستثماري يرتبط بمرحلة السوق، إذ تتسع هوامش الربح في المراحل المبكرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك