في قلب مدينة الأقصر، وداخل ساحة معبد الأقصر، يقف مسجد أبوالحجاج الأقصري كأحد أبرز الشواهد الحية على تعاقب الحضارات في مصر، لكن الحديث عنه هذه المرة يأتي على ألسنة الأثريين وأبناء المدينة والعاملين في ساحته، خاصة مع حلول شهر رمضان، حيث تتجدد روح المكان بصورة استثنائية، ويظل مسجد أبوالحجاج الأقصري أكثر من مجرد مبنى أثرى؛ فهو مساحة تتلاقى فيها طبقات التاريخ مع روحانية الحاضر، ويتجدد فيه المشهد كل عام مع قدوم شهر رمضان.
وقال أيمن أبوزيد، الباحث السياحي، إن المسجد يمثل حالة فريدة من التداخل الحضاري؛ لأنه أُقيم في العصر الأيوبي خلال القرن السابع الهجري فوق أجزاء من معبد الأقصر، وهو ما يعكس استمرار قدسية الموقع عبر آلاف السنين.
وأوضح «أبوزيد» أن الدراسات الأثرية وأعمال الترميم التى أُجريت بالموقع كشفت عن نقوش وأجزاء معمارية تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني أسفل أرضيات المسجد، ما يؤكد أن المكان لم يفقد أهميته الدينية والرمزية عبر العصور المختلفة، مشيراً إلى أن المسلمين حينما شيدوا المسجد لم يهدموا الأعمدة الفرعونية القائمة، بل أقاموا بناءهم فوقها، في صورة تعكس احتراماً واضحاً للحضارة السابقة، وهو ما يجعل المسجد نموذجاً نادراً للتداخل الحضاري الذى تتميز به مدينة الأقصر.
المسجد يجمع بين قيمة أثرية وتاريخية وروحانية.
وأوضح أيمن أبوزيد أن مسجد أبوالحجاج يُعد أقدم مسجد أثرى قائم في الأقصر، وارتباطه بالشيخ يوسف بن عبدالرحيم، المعروف بأبي الحجاج الأقصري، أحد أبرز رموز التصوف في صعيد مصر، منحه مكانة روحية كبيرة بين أبناء المدينة، وضريح الشيخ داخل المسجد جعله مقصداً للزائرين والمحبين على مدار العام، خاصة في المواسم الدينية، مشيراً إلى أن المسجد يجمع بين قيمة أثرية وتاريخية وروحانية في آن واحد.
وقال سيد أحمد، أحد العاملين بساحة المسجد منذ أكثر من عشرين عاماً، إن شهر رمضان يمنح المكان طابعاً مختلفاً تماماً، فمن أول ليلة في رمضان والساحة تمتلئ بالمصلين، والناس تحضر من مناطق مختلفة لأداء صلاة التراويح، وصوت القرآن هنا وسط أعمدة معبد الأقصر له إحساس خاص يجعل الإنسان يشعر بعظمة التاريخ.
وأضاف أن الاستعدادات للشهر الكريم تبدأ مبكراً بتنظيم الساحة وتوفير أماكن للمصلين، وليالي صلاة القيام تشهد حضوراً كبيراً من الأهالي والشباب.
وأكد محمود على، أحد أبناء الأقصر، أن مسجد أبوالحجاج يمثل قلب المدينة الحقيقي، خاصة في رمضان، حيث تتجسد فيه روح المحبة والتكافل.
وتقول «أم محمد»، من سكان المنطقة، إن الصلاة في المسجد خلال الشهر الكريم تمنح شعوراً بالطمأنينة لا يتكرر في أي مكان آخر، واجتماع الناس في هذا الموقع التاريخي يعكس خصوصية الأقصر وتميزها.
وتتحول ساحة مسجد أبوالحجاج الأقصري طوال شهر رمضان إلى لوحة إنسانية نابضة بالمحبة والتكافل، حيث تُقام موائد إفطار يومية على مدار الشهر الكريم، يستفيد منها المئات من أهالي الأقصر والزائرين، في مشهد يعكس روح شهر رمضان داخل أحد أعرق معالم المدينة التاريخية.
وقال الشيخ أحمد الطيب، أحد القائمين على تنظيم الموائد، إن موائد الإفطار بساحة مسجد أبوالحجاج تُقام سنوياً بجهود أهل الخير والمتبرعين، وتستقبل يومياً أعداداً كبيرة من الصائمين دون تفرقة، في أجواء يسودها الترابط والمحبة، لتظل الساحة رمزاً للعطاء كما هي رمز للتاريخ والحضارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك