أعلنت طهران، أمس السبت، مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الغارات الإسرائيلية الأمريكية التي ضربت إيران، في تطور سياسي وضع نهاية لحقبة بدأت عام 1989، وخلال هذه السنوات، تموضع خامنئي في قلب منظومة القرار في إيران، ممسكاً بمفاصل السياسة والأمن والمؤسسة العسكرية، قبل أن تفتح وفاته الباب على" مرحلة انتقالية حسّاسة يفرضها فراغ الموقع الأكثر تأثيراً في بنية النظام الإيراني" بحسب ما وصفته صحف عربية وعالمية.
ولد خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد، في بيئة دينية محافظة، وتلقى تعليماً" حوزوياً" داخل إيران وخارجها، قبل أن يتحول مبكراً إلى خطيب مؤثر في أوساط رجال الدين والشباب، وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، انخرط في التيار المعارض لسياسات الشاه محمد رضا بهلوي، ما عرضه للاعتقال والفني الداخلي عدة مرات وفق روايات متداولة في سيرته.
تأثر خامنئي مبكراً بأفكار الخميني وهو رجل الدين الذي قاد الثورة ضد الشاه والنظام الإيراني القديم وأسّس الجمهورية الإسلامية عام 1979، وبتلك الفترة انخرط خامنئي في المجال السياسي وسُجن عدة مرات خلال حكم الشاه بسبب نشاطه المعارض ضد النظام ودعوته الشعب إلى تبني أفكار الخميني، ما جعله هدفاً لأجهزة الأمن التي سعت إلى احتواء التيار الديني الصاعد آنذاك.
وذكر عن روايات إعلامية أن كتابات خامنئي وترجماته خلال فترات سجنه أظهرت انخراطاً مبكراً في الخطاب الثوري المعادي إلى جانب اهتمامه بترجمة أعمال عربية إلى الفارسية خلال فترات السجن، بما عكس نزوعاً مبكراً لتأطير الصراع مع الشاه ضمن خطاب أيديولوجي أشمل.
ومع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، انتقل خامنئي من خانة المعارض إلى قلب السلطة، وأصبح عضواً في المجلس الثوري، وكُلّف عام 1980 بإمامة صلاة الجمعة في طهران، وهو منصب لم يكن دينياً فقط، بل منصة سياسية تُصنع عبرها الشرعية وتُدار بها التعبئة الشعبية السياسية.
وفي عام 1981 شكّل نقطة انعطاف شخصية وسياسية، إذ نجا خامنئي من محاولة اغتيال وأصيب إصابات دائمة أثرت على ذراعه اليمنى، قبل أن يُنتخب لاحقاً رئيساً للجمهورية خلفاً لمحمد علي رجائي الذي قُتل في تفجير، فيما شغر الخميني في منصب المرشد الأعلى لإيران في تلك الفترة.
وخلال رئاسته عرف علي خامنئي بترسيخ الخطاب المعادي للغرب، وتزامنت سنواته مع الحرب العراقية-الإيرانية التي خاضتها إيران لثماني سنوات وخلّفت أثماناً بشرية واقتصادية هائلة.
وفي عام 1989 تولى خامنئي منصب المرشد الأعلى بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية، الخميني، ولينتقل من سيادة الحكم إلى الولاية الكاملة ويصبح بذلك صاحب النفوذ الأكبر في النظام السياسي الإيراني.
وعلى مدى ثلاثة عقود ونصف، بنى خامنئي شبكة معقدة من مراكز القوة: الحرس الثوري، المؤسسات الأمنية، ومفاصل القرار الديني والسياسي، وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، احتفظ بقدرة شبه مطلقة على توجيه السياسات الكبرى، ورسم حدود المسموح والممنوع، وفرض" خطوطاً حمراء" على الداخل والخارج وفق السرد التاريخي الذي نشرته عدة وسائل إعلام عربية وإيرانية.
وداخلياً، واجه النظام في عهده موجات احتجاج متكررة: من تظاهرات الطلاب أواخر التسعينيات، إلى احتجاجات 2009 التي شهدتها إيران عقب انتخابات رئاسية مثيرة للجدل، اتهم خلالها محتجون السلطات بتزوير النتائج لصالح الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي كان يدعمه خامنئي، قبل أن تتدخل قوات الحرس الثوري و" الباسيج" لقمع التظاهرات وإنهائها.
وفي السياق التاريخي لولاية خامنئي فكان هناك احتجاجات شكلت رصاصة في عرشه عام 2022 عقب مقتل" مهسا أميني" وما تبعها من صراع مجتمعي مفتوح حول شكل الدولة وقواعدها، وفي كل مرة، اتكأ خامنئي على القبضة الأمنية لاحتواء الشارع ومنع انتقال الاحتجاج إلى تغيير شكل الحكم السياسي.
وعمل خامنئي على توسيع نفوذ إيران في المنطقة عبر دعم حلفاء وقوى موالية، ما منح طهران أوراق ضغط خارج حدودها، أما في الجانب الشخصي، ظل خامنئي قليل السفر، نادر الظهور المفاجئ، يعيش تحت حراسة مشددة، فيما بقيت عائلته بعيدة عن الأضواء إلا في حدود ضيقة، ومع مرور السنوات، برز اسم نجله مجتبى داخل دوائر النفوذ بوصفه شخصية مؤثرة في محيط المرشد، وسط تقديرات متكررة وضعته ضمن الأسماء المحتملة في أي ترتيبات مستقبلية للخلافة.
مفاجأة تكتيكية.
تنسيق استخباراتي منذ حرب الـ12 يوماً لإعداد خطة اغتيال خامنئي - موقع 24كشفت صحيفة" نيويورك تايمز"، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) لعبت دوراً محورياً في تحديد موقع المرشد الإيراني علي خامنئي، قبيل الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والذي أسفر عن مقتله إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين.
ومع إعلان وفاة علي خامنئي الذي قاد النظام الإيراني الحالي، تدخل إيران مرحلة مفصلية تعيد طرح سؤال الخلافة في قمة هرم السلطة، فالدستور ينص على آلية انتقال مؤقتة، لكن موازين القوى داخل المؤسسة الحاكمة، في ظل التصعيد الخارجي والتحديات الداخلية، ستلعب الدور الحاسم في تحديد شكل المرحلة المقبلة، سواء عبر إعادة إنتاج النظام بصيغته الحالية، أو دخوله مرحلة اختبار غير مسبوقة على مستوى تماسكه الداخلي وصراع مراكزه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك