لم تعد" عزبة حمادة" مجرد منطقة سكنية في حي المطرية العريق، بل تحولت إلى أيقونة عالمية للكرم ينتظرها الملايين كل عام.
ومع اقتراب يوم الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، تتحول شوارع الحي إلى" خلية نحل" لا تهدأ، استعدادًا لإقامة النسخة الثانية عشرة من" إفطار المطرية السنوي"، وهو الحدث الذي بات يجسد أسمى معاني التكافل الاجتماعي، متجاوزًا حدود المحلية ليصبح حديث الصحافة العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
تجهيزات استثنائية لحدث استثنائي.
وفي هذا العام، تأخذ الاستعدادات طابعًا مختلفًا؛ انطلاقا من الخبرة التي تراكمت على مدار 11 عامًا سابقة والتي جعلت من شباب المطرية" مهندسين" في فن التنظيم اللوجستي والشعبي.
التجهيزات لهذا الحدث الكبير بدأ قبل أسابيع بطلاء الواجهات، وتجديد الإضاءة، وتجهيز" القدور" العملاقة التي ستطهو آلاف الوجبات.
ولا يتوقف الأمر عند الطعام فحسب، بل يمتد إلى" تجميل الشوارع"؛ حيث تحولت جدران عزبة حمادة إلى معرض فني مفتوح.
وهذا العام، كان للجرافيتي نصيب الأسد في التعبير عن هوية الحي وتضامنه؛ فزينت صور النجم العالمي محمد صلاح، وبانرات مطبوعة بصور تجهيزات الأعوام الماضية.
و عمل شباب المطرية في طلاء الشوارع وتعليق الإضاءة وفرش الموائد، استعدادا لاستقبال ضيوف الحي الشعبي، وتم تجهيز القدور والأواني والمواد الغذائية التي تستخدم في تجهيز الإفطار الجماعي، وسط فرحة الأطفال والأسر والشباب وكبار السن.
ولم تغب القضية الفلسطينية عن المشهد، حيث رُسم علم فلسطين ومعالم القدس الشريف جنبًا إلى جنب مع معالم مصر، في رسالة تضامن قوية من قلب الحي الشعبي المصري.
ما يحدث في المطرية يتجاوز قدرة الاستيعاب التقليدية للموائد الرمضانية، فالأرقام هذا العام تتحدث عن ملحمة كبرى:
100 ألف ضيف: هو العدد المتوقع استضافته هذا العام، ليشمل سكان المنطقة وضيوفًا من كل محافظات مصر، فضلًا عن رجال دين، وسياسيين، وفنانين، وسياح أجانب.
50 ألف وجبة: يتم تحضيرها بعناية فائقة، في مطابخ منزلية ومطابخ ميدانية يشرف عليها أهالي الحي.
2500 طاولة: تمتد لتغطي أكثر من 20 شارعًا متفرعًا، في مشهد هندسي بديع يعكس روح الوحدة.
2000 متطوع: من شباب المنطقة، تم تقسيمهم إلى فرق (تنظيم، طهي، استقبال، تأمين، ونظافة)، وذلك لضمان خروج اليوم بشكل يليق باسم مصر.
وفي لفتة ذكية تعكس الطابع العالمي للحدث، كتب الشباب اسم" المطرية" بجميع لغات العالم على الجدران كما رسموا مقولات عن لمة رمضان والعزوة، ترحيبًا بالزوار الأجانب وصناع المحتوى الذين يشدون الرحال سنويًا لتوثيق هذه اللحظات هذه الرسالة تؤكد أن" كرم المطرية" لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.
تمويل شعبي وروح العائلة الواحدة.
ويكمن السر الحقيقي وراء نجاح" إفطار المطرية" لـ 12 عامًا متتالية في" التمويل الذاتي"؛ حيث يتسابق الأهالي، من أصغر عامل إلى أكبر تاجر، للمساهمة بما يستطيعون.
كما تشارك السيدات في عمليات الطهي داخل المنازل، والأطفال يوزعون التمور والمياه، وكبار السن يشرفون على استقبال الضيوف بروح" كبير العائلة".
ينتظر الجميع لحظة انطلاق مدفع الإفطار في الخامس عشر من رمضان، حيث تصمت الضوضاء لثوانٍ ويرتفع صوت الأذان، لتبدأ أكبر عملية إفطار جماعي منظمة في العالم بجهود شعبية.
إنها المطرية، التي أثبتت أن" اللمة" والارتباط بالأرض والجيران هي القوة الناعمة التي تجعل من المستحيل ممكنًا.
مع استكمال اللمسات الأخيرة من زينة، وأنوار، وجرافيتي، تفتح المطرية ذراعيها للعالم، مؤكدة أن" حكاية المطرية" هي حكاية شعب لا يعرف المستحيل، وأن مائدتها ستظل دائمًا" مائدة الحب والوحدة الوطنية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك