لا تُعرَف المواقف إلا بالاختبار.
وتتظهّر التحالفات تحت النار، بأكثر مِمّا فى السعة وأوقات الدعة والخمول.
وقد عشنا نتصوّر أشياء عن المُمانَعة، وأيقظتنا المستجدات على غيرها، كما استيقظ بعض العقلاء أيضًا على خلاف ما كان لديهم فى حُكم اليقين.
ظلت إسرائيل شهورا تطلب الضوء الأخضر؛ لتعود إلى إيران بضربة ثانية بعد نزهتها المُثيرة، والمغرية بالتكرار، فى يونيو من العام الماضى.
ولم تكتف واشنطن بالإذن؛ بل وقفت على رأس الميدان، وحلّت طرفًا فى الحرب منذ ما قبل الرصاصة الأولى.
ترد الجمهورية الإسلامية على الصفعات المتوالية، كما كان مُتوقّعًا بالطبع، غير أنها وسّعت القوس ليشمل دول الجوار.
والولايات المتحدة لم تُبدِ تجاهها ما أبدته من اهتمام بالدولة العبرية، ومعدلات الوصول والأذى على الجبهتين تكفى للإفادة وتزيد.
تختلف صيغة العلاقات من دون شكّ، ولها مكوّن عقائدى واستراتيجى مع تل أبيب؛ لكن الخليج شريك حيوى، يحتضن وجودًا أمريكيا مباشرا، فضلا على أنه يتعرض للعدوان بسبب الضيافة، لا عن سلوكه الخاص.
تنحاز واشنطن، وتُفرّق بين الحلفاء بحسب الهوى.
وإيران لا تختلف كثيرًا؛ فقد غسلت يديها من حماس بعد «الطوفان»، وورّطت لبنان من قناة حزب الله، وأتعست اليمن الذى كان سعيدًا بأضعاف ما أتعسته صراعات السلطة والمصالح، مع تجنيب الميليشيات الرديفة فى العراق جزئيًّا؛ لأنها لا تحتمل التحرّش بالأمريكيين علنًا، ومن نطاق قريب للغاية.
بُنِيَت نظرية الدفاع المتقدّم على أن تكون عازلاً عن الهضبة الفارسية، واستطالت الأذرع لتعبث فى كل الجبهات؛ لأجل أن تبقى حظيرة الثورة آمنة ومستقرة، بما يكفى لإثارة القلاقل وزعزعة أمن الآخرين.
تجرّع الحزبيون كؤوس المُرّ منذ نوفمبر 2024، تاريخ الرضوخ لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وما أطاقوا صبرًا على وجيعة إيران أكثر من ثمانى وأربعين ساعة.
فأطلقت الميليشيا اللبنانية بضع هياكل فارغة من صواريخها المُضحكة، وفتحت بابًا جديدا للجحيم على بلدٍ لم يُشفَ بعد من جراح المغامرة السابقة.
يبدو الآن أن ولاية الفقيه لا تستأهل كُلفة النقد من الأساس.
والحق أنها لم تُضَحّ بالحلفاء عن قصد أو سوء نية؛ بل عن عجز وانكشاف.
قُتِل إسماعيل هنية فى أحضان الحرس الثورى؛ ثم تبعه قادتهم والمرشد الأعلى نفسه بذات الطريقة.
عار عليك إذا خدعتنى مرّة؛ وعلىّ إن خُدِعتُ مرّتين.
أعيد إنتاج المشهد الافتتاحى لحرب الاثنى عشر يومًا.
حشد من القادة رفيعى المستوى، يتجمّعون فى مكان يُفتَرَض أنه سرّى، ترصده العين الصهيونية وتُوجه قاذفاتها لتحصد الغنيمة.
ليسا عصفورين؛ بل أسراب عصافير بحجر واحد.
عمليًّا؛ حدّدت طهران موعد الجولة الثانية.
ذلك أن ساعة الصفر ابتدأ عدُّها من تحديد ثلاثة اجتماعات مهمة صبيحة السبت، أحدها يقوده المرشد مع أرفع رجاله.
ما يجعل الصيد ثمينًا، فضلا على مزايا أخرى.
يوم العطلة فى إسرائيل، ما يعنى كُلفة أقل للردود، وقابلية أعلى لإدارة حركة الجمهور.
يسبق عيد المساخر بساعات، وهو مناسبة بدأت من هناك أصلاً، وتتّصل برمزيات لها علاقة بحِيَل اليهود، ونجاتهم من المؤامرات فى أرض فارس.
يلوّح وزير دفاعهم باغتيال نعيم قاسم.
مؤشرات عن مقتل قادرة حزبيين فى الضاحية، ويتفاخر الجنرالات بأن عملية «زئير الأسد» خُطِّطت قبل شهور، ما يعنى أن الزمن الفارسى كان ستاتيكيًّا؛ لدرجة أن الأعداء يستدعون الخطط من الأدراج للتنفيذ، دون حاجة لتحديث أو تعديل.
أظهرت الجولة انكشافا عظيمًا، كما كان فى سابقتها.
عشرة أشهر ولم تتعلم إيران، ولا سدّت ثغراتها.
تحققت فيها المُبادأة؛ بالرغم من علمها بالنوايا، وملء البحر والبر بالقطع الحربية وإجراءات التعبئة.
ما يزال النظام قائمًا، وسيظل.
الغارات لن تُسقطه، والإيرانيون لن يستجيبوا لدعاوى الثورة.
حصد الرقاب سيُخرج بدائل أكثر جنونا، انطلاقًا من بروز الصقور على حساب الحمائم، ولأن العقلاء سيصبحون أكثر ارتداعا عن المحاولة.
يتحدث ترامب عن رغبة إيرانية فى الحوار.
ربما يضغط على أعصابهم، يستغل الرخاوة والغموض، ويُمهّد لفتح القنوات عبر وسطاء.
فى كل الأحوال لن تدوم الحرب طويلاً؛ لأنه لن ينتصر عسكريا، ولن تتداعى أبنية السلطة الآن أو فى مدى قريب.
إنها أيام توطئة لما بعدها.
تصديع للتوازنات، دون اتفاق على البديل، والجميع خاسرون حتى الآن.
خطير للغاية ما يحدث فى المنطقة؛ غير أن الأخطر لم يأت بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك