الشيخ محمد مصطفى المراغى عالم أزهري وقاض شرعى مصرى تولى مشيخة الأزهر مرتين، ينتهى نسبه الشريف إلى الإمام الحسين، تحدى الملك فاروق ورفض أن يحل ما حرم الله، رحل فى مثل هذا اليوم 14 رمضان عام 1945.
ولد الشيخ محمد مصطفى المراغى عام 1981 بمركز المراغة بمحافظة سوهاج، أرسله والده إلى الأزهر ليكمل تعليمه في الأزهر وتتلمذ على يد كبار مشايخه، كما تتلمذ على يد الإمام الشيخ محمد عبده واقترب منه وتأثر بمنهجه السلوكى فى التجديد، وحصل على العالمية وهو فى الرابعة والعشرين من عمره بإشراف أستاذه الإمام محمد عبده.
بدأ الشيخ محمد مصطفى المراغى التدريس بالأزهر لبضعة أشهر، اختير بعدها قاضيا بالسودان، حيث طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان الشرعيين، كان المراغي في مقدمة من اختارهم، فسافر قاضيا لمديرية دنقلة، ومنها إلى مديرية الخرطوم، وفى عام 1907 اختلف مع قاضى القضاة هناك فى طريقة اختيار المفتشين الشرعيين فى المحاكم فاستقال وعاد إلى مصر، حتى إن صحيفة" التايمز" البريطانية كتبت تقول عنه: أبعدوا هذا الرجل، فإنه أخطر على بلادنا وحياتنا من ويلات الحرب.
وفى مصر عين الشيخ محمد مصطفى المراغى مفتشا للدروس الدينية بوزارة الأوقاف، ولكنه لحبه للبحث والدراسة عاد إلى التدريس بالأزهر مع احتفاظه بوظيفته في الأوقاف، ثم عرضت عليه حكومة السودان العودة إليها فى وظيفة قاضى القضاة فاشترط المراغى موافقة خديوي مصر، وبالفعل صدر الأمر بتعيينه قاضى قضاة السودان واستمر سنوات حتى قامت ثورة 1919 فالتف حوله المصريون هناك فى مظاهرة كبرى كان نتيجتها غضب الحاكم العسكرى فى السودان، فأنهى خدمته وعاد إلى مصر مرة أخرى.
تولَّى مناصب قضائية هامة منها: رئيس التفتيش الشرعي بوزارة الحقانية، رئيس محكمة مصر الكلية الشرعية، عضو المحكمة العليا الشرعية فرئيسا للمحكمة العليا الشرعية، وقام بعدة إصلاحات هامة، فأمر بتشكيل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية برئاسته، ووجه اللجنة إلى عدم التقيد بمذهب أبي حنيفة إذا وجد في غيره ما يناسب المصلحة العامة، فجعل القضاة يقتبسون من المذاهب الأخرى ومن آراء المجتهدين ما يناسب الزمان والمكان، وأصدر في يوليو سنة 1920 قانون الأحوال الشخصية.
تولى الشيخ محمد مصطفى المراغى مشيخة الأزهر الشريف عام 1928، فأنشأ لجانا برئاسته لدراسة قوانين الأزهر ومناهج الدراسة، وعمل على تنقيح هذه القوانين والمناهج، واهتم بالدراسات العليا فاقترح إنشاء ثلاث كليات عليا، تتخصص الأولى في دراسة العلوم العربية، والثانية في علوم الشريعة، والثالثة في أصول الدين، وكانت له آمال كثيرة يسعى لتحقيقها لتطوير الأزهر، ولكن العقبات وقفت في وجهه، وحالت بينه وبين الأهداف التي ينشدها فاستقال من منصبه في أكتوبر سنة 1929 بسبب فرض الملك سيطرته على الازهر.
وعاد الشيخ محمد مصطفى المراغى إلى الأزهر يؤيده آلاف العلماء والطلبة، والحكومة، والناس، فاستأنف تنفيذ ما استقر عليه رأيه من وجوه الإصلاح، فعمل على إنشاء قسم خاص بالوعظ والإرشاد بالأزهر لنشر الثقافة الإسلامية، كما طور من هيئة كبار العلماء التى أنشئت عام 1911 وغير اسمها إلى جماعة كبار العلماء، كما تولى رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية، وفى عام 1931 أسس الجمعية المصرية لمواجهة التبشير.
ومن المواقف التى تحسب لشموخ وكرامة الشيخ محمد مصطفى المراغى ما حدث مع ملك بريطانيا جورج الخامس، رست فى ميناء سواكن بالسودان السفينة التى تقل الملك جورج الخامس ملك الإمبراطورية البريطانية الذى كان فى طريقه لحضور مراسم تتويجه الإمبراطورى فى الهند عام 1912 على البحر الأحمر بالسودان، وكانت قد صدرت الأوامر البريطانية لكبار رجال الدولة والأمراء والأعيان فى السودان ــ التى كانت تحت الاحتلال البريطانى بحكم ضم مصر والسودان ــ التواجد فى ميناء سواكن بالسودان لاستقبال سفينة الملك جورج الخامس التى ستتوقف لبعض الوقت، ويقضى بروتوكول الاستقبال ألا يصعد أحد على السفينة سوى الجنرال فرانسيس ريجنالد وينجت الحاكم العسكرى للسودان، أما الباقون فيكفيهم شرفا إطلالة الملك عليهم من شرفة السفينة وهم على رصيف الميناء.
كان فى مقدمة المدعوين قاضى السودان محمد مصطفى المراغى ــ أصبح شيخا للأزهر فيما بعد ذلك ــ الذى أخبر الحاكم العسكرى للسودان حين تمت دعوته للحضور لاستقبال سفينة الملك أنه لن يحضر استقبال الملك إلا إذا صعد على السفينة مثله، مما أرغم الإنجليز حلا للموقف على تغيير بروتوكول الاستقبال، وصعد القاضى مصطفى المراغى السفينة، وأيضا كان من بروتوكول مصافحة الملك جورج الانحناء له أثناء المصافحة، إلا أن الشيخ المراغى لم ينحن وصافح الملك منتصبا، مما أغضب الحضور، ولما عاتبه القادة الإنجليز على عدم انحنائه قال المراغى: ليس فى ديننا الركوع لغير الله.
ومن أصعب المواقف التي تعرض لها، ما حدث سنة 1945، حين طلق فاروق زوجته الأولى الملكة فريدة، وأراد أن يحرم عليها الزواج بعده، أسوة بزوجات الرسول عليه السلام، فأرسل إلى الشيخ يطلب منه فتوى تؤيد رغبته فرفض، فأرسل إليه الوسطاء فرفض الاستجابة، فذهب الملك إليه في المستشفى حيث كان يرقد الشيخ مريضا فى مستشفى المواساة، فقال له الشيخ عبارته الخالدة: " أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه وإن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله".
وفى مثل هذا اليوم الرابع عشر من رمضان 1364 هـ الموافق عام 1945 رحل الشيخ محمد مصطفى المراغى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك