لا يمكن الحديث عن الكتابة من دون قراءة وتلق، لأن الكتابة هي حصيلة الكثير من القراءة والتلقي.
لا يصبح الإنسان كاتبا إلا بعد أن يكون قارئا جيدا ومتلقيا نبيها، ولهذا السبب ترتبط الكتابة ارتباطا وثيقا بقراءة أعمال أدبية سابقة وبتلقي ما تراكم في الذاكرة المحلية والكونية من حكايات ومرويات.
فالعمل الأدبي يُولد من قراءة أعمال أخرى، والتشبع بالثقافة المحلية والكونية، بما تختزناه من حكايات وأساطير، نظرا لكونهما تسمحان للكتّاب ببناء ذخيرة، تشكل لهم ما يمكن تسميته بذاكرة القراءة والتلقي، وتساهم هذه الذاكرة أيضا في تعزيز بناء العادة الأدبية لدى الكتاب التي هي أساس الكتابة، لأنها تمهد أرضية مواتية لما سينتجه القراء/الكتّاب من أعمال أدبية، وهو ما يؤكد أن التلقي للأدب والثقافة هو الطريق الصحيح نحو الكتابة.
في الغالب ما يظهر حضور القراءة والتلقي في الكتابة بطريقة سلسلة، تقوم على هضم المقروء والتلقّى اللذين يمنحان الكاتب العادة الأدبية، وهو ما يمكنه من إنتاج نصوص جديدة لا يظهر فيها الحضور المباشر للنصوص السابقة المقروءة والمتلقاة.
ما يقدّمه لنا الكاتب القاص العراقي ضياء جبيلي في مجموعته القصصية «ماذا نفعل دون كالفينو» لا يقف عند هذا الاتجاه العام السائد في أي كتابة أدبية، وإنما يكشف في كتابته القصصية عن إظهار هذا المقروء في كتابة القصص التي تغدو حوارا بصوت مسموع مع ما تمت قراءته من أعمال إبداعية، وما تم تلقيه من مرويات وحكايات وأساطير محلية وعالمية.
ويتجلى ذلك التفاعل في الأفكار والإشكالات وتصور الواقع والشخصيات والأحداث، التي هي نتيجة لتلق سابق لا حصر له يتّخذه ضياء جبيلي خلفية وأفقا للإبداع القصصي ووسيلة لاجتراح تقنيات لبناء عوالمه.
استثمر الكاتب ضياء جبيلي قراءاته للأدب العالمي في بناء الشخصيات والأحداث والوصف، بهدف اتخاذ الأدب منظارا ننظر به لواقعنا، وما يجري فيه من أحداث وما يفرزه من شخصيات ووضعيات إنسانية، كما يظهر بجلاء في عنوان المجموعة القصصية، «ماذا نفعل دون كالفينو» مستدعيا الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو ليجعل من شخصيته الأدبية وتصوره للكتابة القائم على المزج بين الواقع والأسطورة خلفية ومنظورا مؤسسين للكتابة من جهة، وبغية تنبيه القارئ وتوجيه تلقيه إلى الخصوصية النوعية لهذه الكتابة، التي يتداخل فيها الواقعي بالحالم من جهة أخرى.
تشترك قصص هذه المجموعة، وانسجاما مع الخلفية المؤسسة لها وهي البعد الكالفيني (نسبة إلى كالفينو)، في كون شخصياتها تتمتع برغبات وأمنيات تود تحقيقها، إذ يؤدي هذا المسعى بالشخصيات إلى الإقدام على أفعال تعانق الخيالي والفانتازي، ويتحقق ذلك حين يتواطأ الواقع بأحداثه الغريبة مع الفانتازي الحالم، ليقدم لنا الكاتب بذلك عالما قصصيا يتجاور فيه الممكن والمستحيل والحلم والواقع، ويتداخل فيه الواقعي بالخيالي.
تصير القراءة في هذه المجموعة منظورا يرى من خلاله الكاتب العالم، وما تجري فيه من أحدات وشخصيات وأفكار ومواقف وما يفرزه من وضعيات إنسانية، لتغدو القراءة بمثابة ذاكرة تتم العودة إليها في النظر إلى العالم، كما نجد في قصة «المستشفى التشيكي»، التي استثمر فيها الكاتب قراءته لأعمال الكاتب التشيكي فرانز كافكا وحياته في بناء شخصيته القصصية، ليعطي لكافكا امتدادا في نصه القصصي، ولكن من خلال إعادة بناء شخصية كافكا بشكل مختلف تماما عن الصورة المكونة عنه في الأوساط الأدبية والنقدية، من خلال لعبة سردية استيهامية قائمة على استثمار تشابه الشخصية الأساسية وهي، الطبيب التشيكي مع كافكا.
تخصّب الثقافة الشعبية بناء العوالم القصصية لهذه المجموعة، وكأنموذج على هذا الجانب، نجد الكاتب في قصة «بيضة الديك» يستثمر المثل الشعبي «عندما يبيض الديك» الذي يدل على استحالة حدوث ما نرغب فيه.
ويُضرب هذا المثل عادة للكبار الذين خبروا الحياة، لكن الكاتب انسجاما مع الطابع الفانتازي لقصصه جعل هذا المثل يُضرب لطفل، وذلك بفعل اعتبارين؛ يظهر الأول في البعد التربوي للمثل الهادف إلى تجنّب صدمة الموت بالنسبة للطفل، ويسعى الثاني إلى إثارة خياله، حين يسأل طفل في الخامسة من العمر، والدته «متى يعود أبي؟ » فتجيبه «عندما يبيض الديك»، نجد القاص يقوم بتسريد ذلك المثل وإرجاعه إلى أصله وهو الحكاية عبر قصة تؤكد جدواه ونجاعته التربوية، في موقف نجحت فيه الأم تجنب التسبب في صدمة نفسية لابنها بعد موت أبيه، وبعده جده، من خلال ربط عودتهما ببيض الديك، وهو ما مكن الأم من جعل ابنها ينشغل بمسألة بيض الديك.
هكذا استطاع الكاتب العراقي ضياء جبيلي بناء قصصه انطلاقا من ذاكرة تلقيه للأدب وللثقافة في بعديهما المحلي والكوني، مؤكدا أن التفاعل معها يسهم بشكل كبير في إنتاج نصوص قصصية تظل حاملة لآثارهما، كما اختار خلفية كالفينية لتأسيس عوالمه القصصية تنزع إلى الجمع بين الواقع والحلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك