عمان - في زمن أصبح فيه توثيق أفعال الخير ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي أمرا شائعا، هناك من يختار طريق الصمت، ليقدم فعل الخير ويمد يد العون بطريقة يرى فيها معنى العطاء الحقيقي.
فهناك أناس آثروا أن يكون عطاؤهم خفيا، مؤمنين بمبدأ" لا تعلم يدهم اليمنى ما أنفقت اليسرى"، طلبا للأجر الخالص البعيد عن الأعين.
اضافة اعلان.
يسددون دينا، ويدفعون إيجارا، ويتكفلون بعلاج مريض، ويساهمون في أقساط مدرسة وغيرها من الأعمال التي قد لا تُرى، لكنها عظيمة الأثر.
عطاء صامت يجعل الفرحة بين العبد وربه، ويشعل دفء الطمأنينة في قلب المعطي قبل أن يصل أثره إلى قلب المحتاج.
والحاج أبو أحمد منهم، الذي يخصص كل رمضان زيارة لأحد المحال التجارية التي تبيع بالدين للزبائن، ويسدد ديون الدفتر كاملة، من دون معرفة الناس الذين يساعدهم أو معرفتهم به، فهو عمل خالص لوجه الله.
وكذلك يسير في طرق لا يعرفها ولا تعرفه، ويسأل عمن هم بحاجة، ويقدم لهم ما يحتاجونه من مال، أو يسدد دينا ويفرج عنهم هما يشغل بالهم، من دون أي معرفة سابقة، فقط يقول: " أنا أخوك وبدي أساعدك لوجه الله".
كما أنه يقصد مخبز المدينة التي يقطن فيها ويبادر بدفع ثمن عجنة كاملة، ويخبر الخباز بأن يعطي الجميع منها لوجه الله، من دون أن يقول من هو، فقط فاعل خير.
فكل ما يرجوه هو دعوة صادقة تصله من قلب جبر.
وغيره كثيرون، ممن يرون في هذا العطاء الصامت دفئا لقلوبهم.
فهذا العطاء الذي يتجدد في كل عام هو الكنز الحقيقي الذي يغتني به الإنسان؛ عطاء من أجل العطاء، ومساعدة تنبع من إحساس صادق بحاجات الآخرين، لا من رغبة في الثناء أو التصفيق.
بدوره، أكد أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون أن الصدقة أمر عظيم في ديننا، وأن الله تعالى يضاعف أجرها أضعافا كثيرة، ويعطي المسلم بدلا منها أكثر مما دفع، لأنه" لا ينقص مال من صدقة".
وقد جاء في الحديث" الصدقة برهان"، أي أنها دليل وبرهان على صدق الإيمان، فهي تعكس شعور الإنسان بالناس وتقديره لظروفهم ومد يد العون لهم، والله تعالى يحب من عباده أن يتعاونوا ويتراحموا.
وأوضح زيتون أن الصدقة فيها مغفرة للذنوب، وشفاء من الأسقام والأوجاع، ونيل رضا الله تعالى، وخير الصدقة تلك التي تكون خفية، منوها إلى أن لفظ" خفية" يدل على أن تكون بعيدة عن نظر الآخرين وعن التفات النفس إليها، فليس من الضروري أن يعد الإنسان ما أعطى، أو يظل يتفحص صدقته ويتتبعها.
وقال النبي عليه السلام: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
ورجل تصدق بيمينه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تصدقت يمينه"، أي أنه يتصدق خالصا لله، متوكلا عليه، من دون حسابات أو انتظار مقابل.
فإذا طابت نفسه بالعطاء أعطى وانتهى الأمر، هذا هو الخفاء عن النفس، فكيف بالخفاء عن الناس؟ فلا يتحدث الإنسان عن صدقته، ولا يحرص على أن يراها الناس، بحسب زيتون.
ويفسر ذلك أولا: بالبعد عن الرياء، لأن العمل حين يكون من دون أن يراه أحد يكون خالصا لله، بعيدا عن طلب مدح الناس أو ثنائهم.
وثانيا: هو أكرم للمتصدق عليه، لأن إعطاء الفقير أمام الناس قد يشعره بالضعف أو المهانة أو الأذى، والله تعالى نهى عن أن يتبع الإنسان صدقته بالمن والأذى، فالأفضل أن تكون في ستر وكرامة.
وبين زيتون، أنه قد يختار الإنسان أحيانا أن يتصدق جهارا، لا رياء ولا طلبا للثناء، وإنما بقصد حسن وجميل، كأن يشجع الناس على الصدقة ويحفزهم، فبعض الناس قد يترددون في إخراج الصدقة، فإذا رأوا غيرهم يبادرون تشجعوا واقتدوا بهم.
ومدح الله تعالى هذا المعنى في قوله:
﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾، فبين أن إظهار الصدقة حسن إذا كان له هدف صحيح، وأن إخفاءها أفضل إذا خلا الأمر من الحاجة إلى الإظهار.
ومن جهة أخرى، أوضح زيتون أنه قد يعلن الإنسان عن صدقته أحيانًا لضمان وصولها إلى مستحقيها الفقراء، كأن يطلب توثيقها باسمه في سجلات جهة معينة، لا طلبًا للسمعة، بل إلزامًا لنفسه، وضمانًا لوصول المال إلى صندوق التبرعات أو المؤسسة المعنية، وحتى لا يقع نسيان أو تقصير أو سوء ظن.
وأكد زيتون أن الأصل في الإنسان العمل لله، ويرجو أن يتقبله الله، فقد ورد أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وسميت صدقة لأنها تدل على صدق النية؛ فالعطاء يصدق ما في القلب، فإذا كانت النية خالصة لله، بعيدة عن الرياء، رفع الله تعالى شأن هذه الصدقة وجعلها برهانًا على الإيمان.
الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، بين أن الصدقة من أهم الأعمال التي تقرب الإنسان إلى الله، وهي من الأفعال التي لا يقتصر أثرها على نفع الآخرين بل يمتد ليشمل المتصدق نفسه، نفسيا وجسديا وروحيا، كما تساهم في تحقيق التكافل بين أفراد المجتمع.
وأوضح سرحان، أن الصدقة من أعظم أبواب الخير التي شرعها الله تعالى لعباده، وجعلها سببا لنيل البركة، وغفران الذنوب، وزيادة الرزق، باعتبارها وسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي، والرحمة بين الناس، وتخفيف المعاناة عن الفقراء والمحتاجين، وأداة فعالة لعلاج الفقر والبطالة، وتحقيق التوازن الاجتماعي.
وحث القرآن الكريم على الصدقة وبين فضل إخفائها ويقول الله تعالى" إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".
وقال رسول الله عليه السلام" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلا تصدق وأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وأكد بذلك، أن الصدقة كنز لا يفنى، وسر من أسرار الحياة الطيبة، فهي تفتح للإنسان أبواب الخير والبركة، وتجلب له الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، وليست مجرد بذل للمال، بل هي استثمار حقيقي في سعادة الدارين، يترك أثرا مستمرا يعود بالنفع على المتصدق والمجتمع معاً.
وبين سرحان أن صدقة السر أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقل إحراجا للفقراء، والإنفاق في السر ينمي في نفس المنفق الإخلاص لله، فالسرية تبعد الإنسان عن الرياء ويتعود من خلالها الانسان البذل ويجعله أسهل على نفسه، كما يحفظ كرامة الأشخاص الفقراء.
ووفق سرحان، فإن الصدقة تحقق الراحة النفسية للمتصدق، وتمنحه السعادة والطمأنينة، فالراحة النفسية لدى المؤمن ترتبط بيقينه بأن ما أنفقه لن يضيع سدى، إنما سيعود بالنفع على نفسه وأهله وماله بركة ونماء، ويحصنه من المهالك ومصارع السوء، مما يعزز الدافع الداخلي للعطاء.
والصدقة تدخل السرور إلى نفس المتصدق، بحسب سرحان، وتزيد حالة الشعور بالرضا في الحياة وخفض معدل الإصابة بالاكتئاب، وتخفف من الشعور بالوحدة، وتربي النفس على الإخلاص ونكران الذات، مما يمنحها مناعة ضد الخذلان.
وهي أيضا من أكثر الأعمال التي تدخل على العبد شعورا بالسعادة وانشراحا للصدر، نظرا لما فيها من شعور بطاعة الله والامتثال لأوامره، من خلال نفع عباد الله والإحسان إليهم، وتمنح الإنسان شعورا بأنه يؤدي رسالة سامية، ويحدث فرقا في حياة الآخرين.
وأشار سرحان، إلى أن الصدقة تمنح المتصدق راحة نفسية، فهي لا تقف على العطاء المادي فقط، بل تنعكس آثارها مباشرة على القلب والروح، إذ يشعر المتصدق بالرضا الداخلي والاطمئنان الناتج عن مساعدة الآخرين، وذلك يجعله يعيش صفاء ونقاء داخليين.
ويذكر سرحان أنه من خلال الصدقة، يتعلم الفرد قيم الرحمة والتواضع، وتتحقق في المجتمع مبادئ العدل والمساواة، فهي تقوي الروابط الإنسانية وتساعد في سد حاجة الفقراء والمحتاجين.
ومن أسرار الصدقة في الإسلام، أن الله هو الرزاق، وهو المعطي، والإنسان ينفق وهو على يقين بأن الله سيخلفه ما أنفقه رزقا وبركة وحفظا من السوء، وأن المال الذي أنفقه سيعوضه الله بأفضل منه.
وبين سرحان، أن للصدقة أثرا إيجابيا على حياة الفرد والمجتمع، حيث تعمل على حفظ المتصدق من البلاء الذي قد يحل به، والصدقة تربي في النفس الزهد، وتعلم الإنسان أن المال وسيلة لا غاية.
كما أن رؤية أثر الصدقة على الآخرين، تعزز تقدير المتصدق لذاته، وتعلمه التواضع، والتعاطف، وهي قيم أساسية في بناء شخصية متوازنة.
ومن آثار صدقة السر بحسب سرحان، زيادة البركة في الرزق والعمر، مما يخلق جواً من السكينة والاستقرار داخل الأسرة، ومشاركة أفراد الأسرة في صدقة السر، يساهم في بناء أسرة قائمة على التراحم، ويشجع أفرادها على اقتفاء أثر العطاء.
وبين أنه عندما تتم الصدقة بصمت، فإنها تبعد الأسرة عن ضغوطات المظاهر، مما يرسخ القيم الحقيقية، ويعلم الأبناء أهمية فعل الخير وعدم الاهتمام بالمظاهر، والاهتمام بالجوهر وعدم التركيز على الشكليات وثناء الآخرين ومديحهم، ما يساهم في تقوية شخصية الأبناء ويزيد الثقة بالنفس.
وأضاف سرحان أن إخفاء الصدقة يساهم في استقرار المجتمع وزيادة التماسك، فالمجتمع لا يبنى فقط على القوانين والمؤسسات، بل أيضا على الأعمال التي تبدو صغيرة، لكنها مهمة وهي التي تظهر اهتمام الأفراد ببعضهم البعض، فالصدقة تعتبر من أهم الوسائل لتحقيق هذا التماسك.
وأكد سرحان، أن الصدقة تظهر للأطفال والشباب أهمية الاهتمام بالآخرين، مما يغرس فيهم قيم العطاء والتعاون منذ الصغر، فعمل الخير يلهم الآخرين ويشجعهم على المشاركة في البذل والعطاء، ويساعد على تربية الأبناء على حب المساعدة.
وبين أن الصدقة ليست فقط بالمال، بل بالوقت والجهد والمساعدة، وجميعها أنواع من الصدقة تصقل شخصيات الأطفال وتجعلهم يكبرون بإحساس أقوى تجاه حب الخير ومرضاة الله سبحانه وتعالى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك