من بين محاسن الصدف أنني قابلت صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، في وقت مبكر من حياتي وبالتحديد في العام 1963م، وهو العام الذي تخرجت فيه وأصبحت مدرسًا.
ويرجع سبب المقابلة إلى أن كبار قرية النويدرات طلبوا مني أن أكتب عريضة يتم التوقيع عليها من قبل أهالي القرية وترفع إلى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ليتم تزويد منازل القرية بالماء.
تشكل وفد القرية لمقابلة الأمير الراحل، طيب الله ثراه، في صيف العام 1963م، وطلبوا مني مرافقتهم.
وقد أندهش الجميع من تواضع صاحب العظمة، طيب الله ثراه، فقد صافحناه والابتسامة تعلو محياه.
وعندما قرأ العريضة قال لهم: أبلغوا جميع أهالي النويدرات أن منازلهم سيتم تزويدها بالماء قريبًا جدًا، وهذا ما حدث بالفعل.
وفي وداع صاحب العظمة صافحهم والابتسامة تعلو محياه وهم في غاية الفرح والسعادة بالاستجابة لطلبهم.
وعندما صافحت عظمته ابتسم ابتسامة أبوية وسألني أأنت طالب أم موظف؟ فأبلغته أنني تخرجت هذا العام - أي العام 1963م - وأصبحت مدرسًا.
فقال: مجلسي مفتوح وتستطيع زيارتنا، ومنذ ذلك اليوم أخذت أتردد على مجلس عظمته بانتظام.
كنت شاهدًا على مجلس عظمته، فكان يتردد على المجلس الغني والفقير والعامل الكادح والموظف والوزير والمهندس والطبيب والفلاح، وكانوا جميعهم عنده متساوين يصافحهم بابتسامته التي تعلو محياه.
كما يتقدم أصحاب الحاجات برسائلهم إليه في المجلس، وبعضهم يتحدثون إليه مباشرة، فيأمر بحل مشكلاتهم وتلبية طلباتهم في الحال.
سن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، سنة حميدة وفريدة من نوعها بتخصيص جزء من وقته الثمين لمقابلة المؤلفين؛ تشجيعًا من عظمته للثقافة والعلم والمعرفة.
وكان الحاكم الوحيد في العالم الذي خصص جزءًا من وقته لمقابلة الكتَّاب والمؤلفين بشكل منتظم ودقيق؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة الإنتاج الفكري المحلي من كتب متنوعة غطت معظم حقول المعرفة، وتلك ميزة تميزت بها البحرين عن باقي الدول.
قابلت عظمته مرارًا كثيرةً وأهديته مجموعة من كتبي.
وأتذكر حين قابلت عظمته في العام 1997م وأهديته كتابي “المكتبات في العصور الإسلامية”، وبعد تصفحه الكتاب قال لي: أريدك أن تعد كتابًا توثق فيه جميع التطورات الثقافية التي حدثت في البحرين والتي من بينها التعليم والمسرح والسينما والصحافة والأندية والجمعيات، وجميع الكتب التي صدرت في البحرين اعتبارًا من هذا القرن العشرين، على أن يتم إصدار الكتاب في بداية القرن القادم أي في يناير العام 2000م.
أجبت عظمته: هذه فكرة رائعة توثق النشاط الثقافي وحركة الكتابة والتأليف خلال القرن العشرين، وسأعمل على تنفيذها إلا أنها تحتاج إلى وقت طويل.
فقال عظمته: نحن الآن في العام 1997م، أريد الكتاب منجزًا في يناير من العام 2000م.
تمكنت من الانتهاء من تأليف الكتاب وإصداره في يناير العام 2000م، وبلغ عدد صفحاته 671 صفحة وفق طلب عظمته، طيب الله ثراه، تحت عنوان “رصد الحركة الفكرية في البحرين خلال القرن العشرين”.
وحدث أن توفي صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في مارس العام 1999م وحزنا عليه جميعًا؛ فكتبت الإهداء إلى روح عظمته حيث كنت عاقد العزم على أن أكتب إليه الإهداء إلا أن القدر كان له شأن آخر.
وقدمت الكتاب إلى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رحمه الله.
ومما زادني تصميمًا وإصرارًا على إنجاز هذا المشروع الثقافي الرائد ما نلته من تشجيع خاص من قبل صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه؛ ففي كل مرة أزور عظمته في مجلسه العامر بالرفاع يسألني عن ما تم إنجازه من الكتاب.
وبلغ عدد عناوين الكتب التي صدرت خلال القرن العشرين والتي تمكنت من توثيقها 1502 من عناوين الكتب، غطت معظم حقول المعرفة، وكانت الريادة لكتب الأدب التي كان نصيبها من بين تلك الكتب 671 عنوانا.
وبهذا أصبح الكتاب يضم ستة أبواب، تناول الباب الأول الكتابة القديمة في البحرين وبروز الإنتاج الفكري المحلي من القرن الأول إلى القرن الثالث عشر الهجري، وتناول الباب الثاني عوامل ازدهار الكتابة والتأليف خلال القرن العشرين.
وخصص الباب الثالث للمحاولات الأولى لطباعة الكتب البحرينية.
وغطى الباب الرابع أنماط الكتابة في البحرين خلال القرن العشرين.
كما غطى الباب الخامس وصفا موضوعيا لأشكال الخطاب في البحرين خلال القرن العشرين.
وغطى الباب السادس توثيق الإصدارات التي شملت الإصدارات البحرينية بلغات أجنبية، وكشافا بأسماء المؤلفين وإصداراتهم وفق التسلسل الزمني، وشمل جداول بعدد وأنواع الكتب والصحف الصادرة خلال القرن العشرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك