في أوقات الاستقرار، قد يبدو التواصل المؤسسي نشاطاً يمكن تأجيله أو التعامل معه بمرونة.
لكن عندما تتصاعد الأزمات وتزداد حالة عدم اليقين، يتحول التواصل إلى عنصر أساسي في إدارة المرحلة، بل إلى أحد أهم أدوات القيادة المؤسسية.
فالتواصل ليس مهماً فقط في أوقات النجاح، بل يصبح أكثر أهمية في أوقات التحديات.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من ظروف حساسة ومتغيرات متسارعة، تبرز الحاجة إلى تواصل مؤسسي واعٍ ومسؤول، خصوصاً لدى القطاع الخاص الذي يرتبط بعلاقات متعددة تشمل الموظفين والموردين والعملاء والمجتمع الأوسع.
عندما تحدث أزمات غير مألوفة، غالباً ما تشهد المؤسسات حالة من التردد أو ما يمكن وصفه بشلل التواصل.
وهذا لا يحدث عادة بسبب غياب الرغبة في التواصل، بل نتيجة الصدمة أو عدم وضوح الصورة في المراحل الأولى من الأزمة.
لكن المشكلة أن هذا الصمت قد يترك فراغاً معلوماتياً يفتح الباب أمام الإشاعات والتكهنات، ويؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة.
التواصل المؤسسي الفعّال لا يبدأ مع الأزمة ولا ينتهي بانتهائها.
بل هو عملية مستمرة تقوم على بناء الثقة وتعزيز العلاقة مع مختلف الأطراف المعنية.
المؤسسات التي تدرك هذه الحقيقة تتعامل مع التواصل باعتباره جزءاً من استراتيجيتها المؤسسية، وليس مجرد رد فعل مؤقت عند وقوع حدث طارئ.
ومن المهم هنا التمييز بين التواصل المؤسسي والحملات الإعلانية.
فالتواصل الذي نتحدث عنه في سياق إدارة الأزمات ليس إعلاناً ولا حملة تسويقية.
الإعلان له أهدافه التسويقية وأدواته الخاصة، بينما يركز الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة على إدارة الرسائل وبناء الثقة والحفاظ على العلاقة مع مختلف الفئات المرتبطة بالمؤسسة.
كما أن التواصل في مثل هذه الظروف يجب أن يكون استراتيجياً وليس عشوائياً.
أي أنه يبدأ بتحديد الرسائل الأساسية التي ترغب المؤسسة في إيصالها، ثم تحديد الفئات المستهدفة، واختيار القنوات المناسبة للوصول إليها.
فالموظف يحتاج إلى رسائل تطمئن وتعزز الثقة الداخلية، والعميل يحتاج إلى وضوح واستمرارية في العلاقة، والمورد يحتاج إلى رؤية واضحة لما يمكن توقعه.
تجربة العالم خلال جائحة كورونا قدمت مثالاً واضحاً على أهمية التواصل في أوقات الأزمات.
المؤسسات التي حافظت على تواصل منتظم وواضح مع موظفيها وعملائها استطاعت أن تحافظ على مستوى عالٍ من الثقة والاستقرار.
أما المؤسسات التي اختارت الصمت أو تأخرت في التواصل، فقد وجدت نفسها لاحقاً أمام تحديات أكبر تتعلق بالسمعة والثقة.
ومن المهم أيضاً إدراك أن التواصل الفعّال لا يعني الإفراط في التواصل.
فالمبالغة في الرسائل قد تؤدي إلى تشويش أو إرهاق الجمهور بالمعلومات.
المطلوب هو تواصل متوازن: واضح، صادق، ومنتظم، يعتمد على رسائل مدروسة يتم إيصالها في الوقت المناسب.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسات في أوقات الأزمات هو التوقف عن التواصل.
فغياب الرسالة لا يعني غياب الحديث، بل يعني أن الآخرين سيملؤون هذا الفراغ بتفسيراتهم الخاصة.
لهذا السبب، تحتاج المؤسسات اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وضع استراتيجيات واضحة للتواصل الداخلي والخارجي، تقودها فرق متخصصة تمتلك الخبرة المهنية والقدرة على إدارة الرسائل بحكمة ومسؤولية.
فإدارة الاتصال ليست مهمة ثانوية، بل هي عنصر أساسي في استقرار المؤسسة وحماية سمعتها.
في نهاية المطاف، قد تمر الأزمات وتتغير الظروف، لكن الطريقة التي تواصلت بها المؤسسات خلال تلك اللحظات تبقى في ذاكرة الناس لفترة طويلة، وقد تكون هي العامل الفاصل بين مؤسسة حافظت على ثقة جمهورها، وأخرى فقدتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك