يبيّن الدكتور محمد عبدالله دراز أن ما يُسمّى اليوم بـ«نظرية الوحي النفسي» ليس اكتشافًا حديثًا، ولا ثمرة تطور علمي معاصر، بل هو إعادة صياغة قديمة لشبهة عتيقة، غيّرت ألفاظها وبقي مضمونها واحدًا، فقد حاول المعاندون منذ البدايات الأولى تفسير القرآن تفسيرًا نفسيًا، هروبًا من الإقرار بمصدره الإلهي.
في القديم، قيل إن النبي ﷺ شاعر، أو كاهن، أو صاحب تخيلات، وهي أوصاف كانت تعبيرات عصرهم عن الظواهر النفسية غير المألوفة، وفي العصر الحديث استُبدلت هذه المصطلحات بأخرى أكثر أناقة علمية، مثل: اللاوعي، والحدس، والتجربة الدينية، والإيحاء الباطني.
لكن جوهر الدعوى لم يتغير: ردّ القرآن إلى الداخل الإنساني بدل إرجاعه إلى الوحي.
ويرى دراز أن هذه النظرية تفشل من جهتين أساسيتين: الأولى أنها تفترض ما تريد إثباته؛ إذ تنطلق من إنكار الوحي ابتداءً، ثم تفسر الظاهرة على هذا الأساس، دون دليل مستقل.
والثانية أنها تعجز عن تفسير خصائص النص نفسه، فتغفل بنيته التشريعية المحكمة، واتساقه الطويل عبر أكثر من عشرين عامًا، وتجاوزه للحالة النفسية المتقلبة.
فالوحي النفسي –كما تصوره هذه النظرية– يكون شخصيًا، متقلبًا، غير منضبط، مرتبطًا بالمزاج والانفعال.
أما القرآن فجاء خطابًا موضوعيًا، منظمًا، يتناول قضايا الجماعة، ويبني نظامًا أخلاقيًا وتشريعيًا، ويضبط الواقع، ولا يخضع له.
كما أن النظرية النفسية لا تفسر المواقف التي خالف فيها القرآن رغبة النبي ﷺ، ولا الآيات التي جاءت عتابًا له، ولا فترات انقطاع الوحي، ولا انتظار البيان، ولا التحدي بالإتيان بمثله.
وكلها ظواهر تقطع باستقلال النص عن ذات المتلقي.
ومن هنا، يخلص دراز إلى أن حداثة المصطلح لا تعني حداثة الفكرة، وأن نظرية الوحي النفسي ليست تقدمًا في الفهم، بل عودة متكررة إلى مأزق قديم، عجز عن تفسير القرآن يوم نشأ، ولا يزال يعجز عنه اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك