في رمضان من عام 559 هجرية دارت معركة حارم التي انتهت بانتصار المسلمين بقيادة" الملك العادل" نور الدين محمود زنكي على القوات الصليبية، في مواجهة جاءت بعد أشهر من هزيمة تعرّض لها نور الدين زنكي في معركة البقيعة وتركت أثرا بالغا فيه، فأقسم ألا يستظل بسقف حتى يثأر للمسلمين من الصليبيين.
ومنذ ذلك الحين، بدأ نور الدين زنكي إعداد حملة عسكرية واسعة، مستهدفا حارم وقلعتها الحصينة، وهي موقع إستراتيجي يتحكم في الطريق بين أنطاكية وحلب، مما جعلها نقطة حيوية في الصراع الدائر على شمال الشام.
ويشير المؤرخ عماد الدين الكاتب إلى هذه الوقائع بقوله إن نور الدين زنكي اغتنم خلو بعض مناطق الشام من القوات الصليبية، فتوجه بجيشه إليهم واجتمعوا عند حارم، حيث دارت المواجهة التي" رزقه الله فيها الانتقام منهم"، فقتل منهم وأسر عددا كبيرا.
الموقعة الممهدة وخيانة شاورشكّلت معركة البقيعة محطة صعبة في مسيرة نور الدين زنكي، إذ تعرّض جيشه فيها لهزيمة على يد الصليبيين قرب حصن الكرد، فقد باغتت القوات الصليبية جيشه بهجوم مفاجئ في منطقة البقيعة، الأمر الذي أدى إلى اضطراب صفوفه وسقوط عدد من القادة في ساحة القتال وعدد من الأمراء والجنود.
وكان الصليبيون قد خططوا للتقدم نحو حمص بعد انتصارهم على حارم، باعتبارها أقرب المدن إليهم، لكنهم فوجئوا بنزول نور الدين زنكي بين حمص وبينهم، وقالوا: " لم يفعل هذا إلا وعنده قوة يمنعنا بها"، فأرسلوا يطلبون منه الصلح لكنه لم يجبهم، فاضطروا إلى التراجع، وتركوا عند حصن الأكراد قوة لحمايته، وعادوا أدراجهم.
غير أن تلك الهزيمة لم تُنهِ الصراع، بل كانت بداية مرحلة جديدة من المواجهات التي امتدت آثارها إلى مصر وبلاد الشام، ففي تلك الفترة كانت مصر تعيش اضطرابا سياسيا حادا داخل الدولة الفاطمية، بعد أن استولى الوزير ضرغام على الوزارة وانتزعها من الوزير شاور.
ولم يلبث شاور أن لجأ إلى نور الدين طالبا العون، فاستجاب الأخير وأرسل جيشا إلى مصر بقيادة القائد أسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين الأيوبي).
وما إن وصل شيركوه حتى دخل في صراع مع ضرغام انتهى بمقتله، ليعود شاور إلى منصبه وزيرا.
لكن التحالف لم يدُم طويلا؛ إذ سرعان ما خشي شاور من نفوذ شيركوه، فاستعان بالصليبيين، وأغراهم بالأموال ليقفوا إلى جانبه، فساروا من القدس وعسقلان نحو مصر، الأمر الذي اضطر شيركوه وجيشه إلى الاحتماء بمدينة بلبيس -شرق شمال مصر- واتخاذها قاعدة دفاعية.
وفرض الصليبيون على بلبيس حصارا استمر 3 أشهر، وعلى الرغم من قِصَر سور هذه المدينة وعدم وجود خندق يحيط بها ليحميها تمكنت الحامية من الصمود في وجه الحصار.
بعد الهزيمة التي تعرّض لها جيش نور الدين زنكي في البقيعة، بدأ نور الدين التحضير لمعركة جديدة هدفها حصن حارم، أحد أهم المواقع الإستراتيجية في شمال الشام وانصرف إلى إعادة تنظيم قواته والاستعداد لجولة جديدة من القتال.
وراسل نور الدين زنكي أمراء الأطراف طالبا دعمهم، ومنهم أخوه قطب الدين في الموصل، وفخر الدين قرا أرسلان، ونجم الدين ألبي صاحب ماردين، وغيرهم من قادة المنطقة.
وسرعان ما أخذت الحملة طابعا واسعا، إذ بدأت جيوش الحلفاء تتقاطر نحو المنطقة لمساندة نور الدين زنكي، فقد وصلت قوات من الموصل وانضمت إلى جيشه، كما قدمت تعزيزات أخرى يقودها عدد من أمراء المنطقة، في خطوة عكست إدراكهم لأهمية المعركة المرتقبة.
في تلك الأثناء، كان قطب الدين قد جمع قواته واستعد للتحرك نحو الشام، وجعل على مقدمة جيشه نائبه زين الدين.
أما الأمير فخر الدين قرا أرسلان فكان مترددا في البداية، إذ نصحه بعض خاصته بالبقاء وعدم التورط في القتال، معتبرين أن نور الدين زنكي يبالغ في المجازفة بسبب انشغاله الشديد بالزهد والعبادة وكثرة الصيام والصلاة.
لكن هذا التردد لم يدم طويلا، ففي اليوم التالي غيّر قرا أرسلان موقفه وأمر بإعلان النفير في جيشه والاستعداد للغزو.
وعندما استغرب المقربون منه هذا التحول السريع، أوضح لهم السبب قائلا إن نور الدين زنكي بدأ يكاتب الزهّاد والعبّاد وأهل الصلاح في البلاد، يحدّثهم عما يتعرض له المسلمون من قتل وأسر ونهب على يد الصليبيين، ويطلب منهم الدعاء وحثّ الناس على الجهاد.
وأثّرت تلك الرسائل في الرأي العام آنذاك؛ إذ جلس كثير من الزهّاد وأتباعهم يتلون رسائل نور الدين زنكي ويبكون لما ورد فيها من أخبار، ويدعون إلى نصرة المسلمين، لذلك رأى قرا أرسلان في النهاية الانضمام إليه والسير بجيشه نحو حارم.
وكان نور الدين يولي عناية كبيرة بالعلماء والعبّاد والفقراء، إذ خصّص لهم أموالا من بيت المال لينفق عليهم ويكفل حاجاتهم.
وقد لفت هذا الإنفاق انتباه بعض خاصته، فاقترحوا عليه في إحدى المرات أن يوجّه تلك الأموال إلى أمور أخرى في زمن الحرب، معتبرين أن ذلك قد يكون أنفع للدولة في تلك المرحلة.
غير أن نور الدين اعترض على هذا الاقتراح، مؤكدا أن النصر لا يُرجى إلا بدعاء أولئك الضعفاء وأهل الصلاح، وقال مخاطبا من حوله: " والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك؛ فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم".
وأضاف مبيّنا موقفه: " كيف أقطع صِلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ، وأصرفها على من لا يقاتل عني إلا إذا رآني، بسهام قد تصيب وقد تخطئ؟ ".
ثم ختم حديثه بالتأكيد على أن أولئك القوم لهم حق معلوم في بيت المال، ولا يرى لنفسه حقا في حرمانهم منه أو تحويله إلى غيرهم.
ومع توالي وصول الجيوش، تجمعت قوات كبيرة تحت راية نور الدين زنكي الذي استغل انشغال الصليبيين في حصار شيركوه بمصر، ثم تقدمت قواته نحو حارم وفرضت حصارا محكما على حصنها ووافق ذلك شهر رمضان.
لم يمرّ هذا التحرك دون رد من الصليبيين، فقد بلغ الخبر قادتهم في مدن الساحل، فبدؤوا حشد قواتهم بسرعة لمواجهة الجيش الإسلامي.
وتقدمت نحو حارم جيوش يقودها أمير أنطاكية وكونت طرابلس، إلى جانب ابن جوسلين أحد أشهر فرسان الصليبيين، كما شارك معهم قائد من قادة البيزنطيين.
وقبيل اندلاع المعركة، انفرد نور الدين زنكي تحت تل حارم وسجد لله ومرّغ وجهه وتضرّع بالدعاء، قائلا: " يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك" وأضاف" أيش فضول محمود في الوسط" أي: إن نصرت المسلمين نصرت دينك، فلا تمنع النصر عنهم بسبب شخصي.
وختم دعاءه قائلا: " اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودا، من محمود.
حتى يُنصر" في إشارة إلى أنه لا يطلب النصر لنفسه بل لله وللمسلمين.
اقتربت لحظة الحسم عندما تجمع الصليبيون لإنقاذ حصن حارم الذي كان تحت حصار القوات الإسلامية، فقد كان نجم الدين قد سبق فنزل على الحصن ونصب المجانيق لضرب أسواره، الأمر الذي دفع الصليبيين إلى إرسال نجدات من مختلف مناطقهم، وسرعان ما تجمعت قوة كبيرة ضمت عددا من قادتهم البارزين، يتقدمهم بوهيموند صاحب أنطاكية.
تمكن الصليبيون في البداية من فك الحصار عن الحصن، فانسحب نجم الدين بقواته من الموقع، لكن هذا التحرك لم ينهِ المواجهة، إذ كان نور الدين زنكي قد سار بجيشه لملاقاتهم، فالتقى الجمعان في سهل قريب من حارم.
مع بداية القتال شنّ الصليبيون هجوما قويا على ميمنة الجيش الإسلامي، حيث كانت قوات حلب بقيادة فخر الدين، فاضطربت صفوفها وتراجعت إلى الخلف فظنّ الصليبيون أن النصر بات قريبا، فاندفع فرسانهم لمطاردة المنسحبين.
غير أن هذا التراجع لم يكن عشوائيا بالكامل؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان جزءا من خطة لاستدراج الفرسان الصليبيين بعيدا عن قوات المشاة.
وبينما انشغل الفرسان بالمطاردة، تحركت قوات المسلمين من الميسرة ومن مواقع أخرى، فاندفعت نحو المشاة الصليبيين الذين تُركوا دون حماية كافية.
في هذه المرحلة، انقلب ميزان المعركة سريعا فقد هاجمت القوات الإسلامية المشاة الصليبيين بضراوة، وكبّدتهم خسائر كبيرة بين قتيل وأسير.
وحين عاد الفرسان من المطاردة وجدوا قواتهم قد انهارت، وجثث الجنود تملأ الأرض.
في تلك اللحظة، أحكم المسلمون الطوق على ما تبقى من الجيش الصليبي من جميع الجهات، واشتد القتال عنفا وحاول الصليبيون الصمود والدفاع عن أنفسهم، لكن الكفة مالت بوضوح لصالح المسلمين، ووافق ذلك 22 من رمضان 559 هجرية.
وفي أثناء ذلك، وصل إلى الصليبيين في مصر خبر تمكن نور الدين زنكي من الاستيلاء على حصن حارم في الشام ثم تقدمه نحو بانياس فأثار هذا النبأ قلق قادتهم على مواقعهم في الشام إذ خشوا أن يفقدوا حصونهم فيها ففضّلوا إنهاء الحصار سريعا، وطلبوا الصلح مع شيركوه الذي وبسبب نقص المؤن لديه وافق على الصلح، لينتهي الحصار وينسحب بجيشه عائدا إلى بلاد الشام سالما.
انتهت المعركة بهزيمة قاسية للصليبيين، إذ قُتل منهم عدد كبير قيل تجاوز 10 آلاف مقاتل إضافة إلى وقوع عدد من كبار قادتهم في الأسر، من بينهم أمير أنطاكية وأمير طرابلس وابن جوسلين، وحاكم قيليقية البيزنطي.
أما عدد الأسرى فكان كبيرا إلى درجة يصعب حصرها بدقة، ويكفي للدلالة على ذلك أن معظم قادة الصليبيين الذين شاركوا في المعركة وقعوا في الأسر.
وتشير بعض الروايات إلى أن عدد القتلى من الصليبيين تجاوز 20 ألفا، بينما تذكر روايات أخرى أن مجموع القتلى والأسرى بلغ نحو 30 ألفا.
وبعد هذا الانتصار عرض بعض قادة نور الدين زنكي على ملكهم التقدم مباشرة نحو أنطاكية مستغلين خلوها تقريبا من المدافعين، غير أنه رفض ذلك، وبرر قراره بأن المدينة قد تُفتح بسهولة، لكن قلعتها الحصينة تحتاج إلى حصار طويل، كما خشي أن يؤدي الضغط الشديد على الصليبيين إلى تسليمها للإمبراطور البيزنطي، وهو ما كان يراه أخطر من بقائها في يد أمير أنطاكية.
وبدلا من ذلك، أرسل سرايا جيشه في المناطق المحيطة، فشنّت غارات على مواقع الصليبيين وامتدت عملياتها حتى مناطق قريبة من اللاذقية وغيرها قبل أن تعود سالمة.
وفي وقت لاحق، أطلق نور الدين زنكي سراح أمير أنطاكية بعد أن دفع فدية كبيرة، كما أُفرج في المقابل عن عدد من الأسرى المسلمين، وقد استُخدمت الأموال التي حصل عليها في دعم حملات الجهاد ضد الصليبيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك