تابع أحدث الأخبار عبر تطبيقفي وقت ظن فيه العالم أن تنظيم" داعش" الإرهابي قد انزوى في غياهب النسيان الجغرافي، جاء تقرير صحيفة" ديلي تلجراف" البريطانية الصادر اليوم ليدق ناقوس الخطر من جديد، كاشفا عن" تسونامي" مالي رقمي يتدفق عبر منصات التمويل الجماعي العالمية والعملات المشفرة، بهدف إعادة إحياء هيكلية التنظيم عبر" بوابة النساء" المحتجزات في مخيمات شمال شرق سوريا.
الجهاد عبر المحافظ الإلكترونيةلم يعد" بيت مال المسلمين" المزعوم يعتمد على آبار النفط المنهوبة أو الجبايات المباشرة، بل انتقل في عام 2026 إلى مرحلة" التمويل اللامركزي" حيث كشف التقرير البريطاني عن حملات منسقة غاية في التعقيد تستهدف جمع التبرعات لصالح" زوجات الدواعش" في مخيمي الهول والروج وتعتمد هذه الحملات على استغلال عواطف المتعاطفين تحت ستار" العمل الإنساني" و" كفالة الأرامل".
الحقيقة التي رصدتها الأجهزة الاستخباراتية تشير إلى أن هذه الأموال هي الوقود المحرك لعمليات تهريب واسعة النطاق.
وبحسب" ديلي تلجراف"، فإن تكلفة تهريب المرأة الواحدة من داخل المخيمات المسورة وصلت إلى أرقام فلكية تتراوح بين 12 إلى 15ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ يتم تجميعه عبر آلاف المساهمات الصغيرة من مختلف دول العالم، خاصة من منطقة آسيا الوسطى وأوروبا الغربية.
الخطورة الحقيقية التي يبرزها التقرير تكمن في الاعتماد الكلي على عملة العملات المشفرة فهذه الوسيلة تمنح التنظيم ميزتين وهي السرية المطلقة بعيدا عن أعين الرقابة المصرفية التقليدية ونظام" سويفت" والسرعة العابرة للحدود فتصل الأموال إلى" وسطاء" محليين في تركيا أو شمال سوريا في غضون ثوان، ليقوم هؤلاء بتحويلها إلى سيولة نقدية تدفع للمهربين الفاسدين أو لتمويل خلايا" الذئاب المنفردة".
ويرى الخبراء أن التنظيم بات يستخدم" محافظ رقمية غير مستضافة وهي محافظ لا تخضع لسيطرة أي مؤسسة مالية، مما يجعل تجميد هذه الأصول أو تتبع أصحابها غاية في الصعوبةالتمويل الرقمي مخيم الهول.
" مفرخة الإرهاب"الأموال التي تصل لـ" المهاجرات" النساء الأجنبيات في التنظيم تستخدم لإنشاء نظام اقتصادي موازٍ داخل المخيم حيث تشترى الولاءات ويعاقب من يحاول الانشقاق عن الفكر الداعشي ويحذر التقرير من أن هذه التبرعات تمول أيضاً ما يعرف بمكاتب الحسبة النسائية داخل المخيمات، والتي تمارس دور الشرطة الدينية وتضمن استمرار عملية التلقين للأطفال هؤلاء الأطفال، الذين يطلق عليهم" أشبال الخلافة"، يتم إعدادهم ليكونوا" الجيل الثالث" الذي سيقود التنظيم مستقبلا، وكل ذلك يتم بتمويل" مساهمات جماعية" تصل من أشخاص قد يظنون أنهم يتصدقون لعمل خير.
في تحليلنا لخطاب هذه الحملات، نجد أن داعش يستخدم مصطلحات شرعية بذكاء شديد مثل" الأسيرات المسلمات"، وهو خطاب ديني عاطفي يجد صدى لدى فئات تعاني من التهميش أو من يتبنون الفكر السلفي الجهادي الراديكالي فهذه الحملات يتم الترويج لها عبر تطبيقات" تليجرام" و" إكس" و" تيك توك"، مستغلة خوارزميات هذه المنصات للوصول إلى الجمهور المستهدف دون إثارة ريبة أدوات الرقابة الآلية.
تؤكد واقعة" ديلي تلجراف" أن الفجوة التقنية بين أجهزة إنفاذ القانون والتنظيمات الإرهابية ما زالت قائمة فبينما تحاول الحكومات سن قوانين لمراقبة العملات المشفرة، يبتكر التنظيم طرقا لـخلط العملات لإخفاء مصدرها الأصلي.
فالمواجهة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل هي" حرب معلوماتية ومالية".
إن تقرير" ديلي تلغراف" يضع شركات التكنولوجيا أمام مسؤولية أخلاقية؛ فمنصات التمويل الجماعي التي صممت لدعم المبدعين والفقراء، باتت اليوم" خزائن بديلة" لأخطر تنظيم إرهابي في العصر الحديثإن ما يحدث في مارس 2026 هو عملية" تحديث شاملة" لآليات التمويل الإرهابي.
فداعش أدرك أن البقاء لا يتطلب السيطرة على الأرض بقدر ما يتطلب السيطرة على" الفضاء السيبراني" وموارد السيولة الرقمية نحن أمام عدو" سائل" يختبئ خلف شاشات الحواسيب، مستغلا ثغرات العصر الرقمي لضمان بقائه وتحين لحظة الانقضاض القادمةولا يمكن قراءة تقرير" ديلي تلغراف" بمعزل عن التحول الهيكلي في دور المرأة داخل التنظيم؛ فبعد أن كان دور" المهاجرات" ينحصر في" جهاد النكاح" وتربية الأشبال، استحدث التنظيم في عام 2026 وظيفة" الوسيط المالي الرقمي".
المرأة هنا لم تعد مجرد" أسيرة" تنتظر الفداء، بل تحولت إلى" عقدة اتصال تدير محافظا إلكترونية من داخل خيمتهايعتمد التنظيم على المرأة في حملات" الكرادفاندينج" لقدرتها العالية على استدرار العطف.
الخطاب الموجه من امرأة" مكلومة" محاصرة بين أسوار المخيم، وهي تستغيث لإنقاذ أطفالها من الجوع والمرض، يمتلك قوة تأثيرة تفوق بمراحل خطاب المقاتل الملثم فهذا" التوظيف العاطفي" هو المحرك الرئيسي لتدفق التبرعات من المجتمعات المسلمة في الغرب، والتي غالباً ما تسقط في فخ التضليل الإنساني.
شبكات الحوالة غير الرسميةكشفت التحقيقات أن النساء داخل مخيمي" الهول والروج" يقمن بإدارة عمليات" مقاصة" داخلية فبمجرد وصول الأموال يتم تأكيد الاستلام عبر تطبيقات مشفرة، لتتحول القيمة الرقمية إلى" قدرة شرائية" داخل المخيم عبر تجار محليين مرتبطين بالتنظيم هذا الاقتصاد الموازي يجعل من المرأة" مديرة فرع" لبنك افتراضي يديره داعش من مخابئه في البادية.
التقرير البريطاني يشير إلى أن داعش يدرك تماما أن ملاحقة امرأة بتهمة" تمويل الإرهاب" أصعب قانونيا وسياسيا من ملاحقة رجل مقاتل لذا، يتم تصدير النساء كواجهة مالية لتوفير" غطاء شرعي وقانوني" لتلك التحويلات، تحت دعاوى" النفقة" و" الصدقة"تكمن الخطورة الكبرى في أن هذه الأموال التي تجمع لتهريب النساء، لا تنتهي مهمتها عند خروجهن من المخيم بل تعمل هذه السيولة كـ" منحة إعادة تأسيس" للناجيات من المخيمات، لإنشاء خلايا نائمة في المجتمعات التي يهربن إليها وبذلك، يتحول" التمويل الجماعي" من وسيلة إنقاذ إلى" استثمار بعيد المدى" لزرع عناصر مدربة ومؤدججة في قلب المجتمعات المستهدفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك