الدول الصغيرة النامية من بين أكثر الدول اعتمادًا على الوقود المستورد والأكثر عرضةً للمخاطر في المنطقةأسعار الأسمدة ارتفعت نظراً لأن الشرق الأوسط ومضيق هرمز يُعدّان مصدراً رئيسياً لإمدادات الأسمدة العالميإن الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية ليست مجرد أزمة في الشرق الأوسط فبالنسبة للاقتصادات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الدول المثقلة بالديون في آسيا وبعض جزر المحيط الهادئ الصغيرة، قد تستدعي صدمة الطاقة العالمية المطولة طلب دعم خارجي طارئ في ظل اضطراب إمدادات النفط والغاز العالمية الناجمه عن الحرب الإيرانية التي تتسبب في حالة من الذعر بين صانعي السياسات في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ حيث تعد العديد من الدول النامية من كبار مستوردي الطاقة.
هذا ويعتبر تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل ملحوظ، كارثة اقتصادية تتسبب في انقطاع نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية المنقولة بحرا.
إنّ الأسس الاقتصادية لصدمة أسعار الطاقة الناتجة عن العرض معروفة جيداً.
فارتفاع أسعار الطاقة يُسبب “ركوداً تضخمياً”، إذ يدفع التضخم إلى الارتفاع ويُثبّط النشاط الاقتصادي في آنٍ واحد، ما يترك البنوك المركزية أمام خيارات محدودة لإدارة التداعيات الاقتصادية الكلية.
حتى الدول التي تُصدّر النفط والغاز (مستفيدةً من ارتفاع أسعار الطاقة) تُضطر مع ذلك إلى مواجهة ارتفاع التضخم والضغط على قطاعات أخرى من الاقتصاد خارج نطاق النفط والغاز.
وبما أن الصدمة عالمية، فإن الطلب على الصادرات غير النفطية سيضعف أيضاً.
تُعدّ الدول الصغيرة النامية من بين أكثر الدول اعتمادًا على الوقود المستورد، وبالتالي فهي الأكثر عرضةً للمخاطر في المنطقة حيث تتراوح واردات النفط والغاز الصافية عمومًا بين 5 و15 % من الناتج المحلي الإجمالي في دول جزر المحيط الهادئ، وتصل إلى 10 % في جزر المالديف.
وتأتي تايلاند ولاوس وكمبوديا ونيبال وباكستان في المرتبة التالية من حيث المخاطر، حيث تتراوح وارداتها الصافية من النفط والغاز بين 5 و8 % من الناتج المحلي الإجمالي.
مع ذلك، تُعدّ معظم الاقتصادات النامية الأخرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من الدول المستوردة الصافية للنفط والغاز، وبالتالي ستتأثر بارتفاع الأسعار العالمية.
وتُعتبر بابوا غينيا الجديدة وتيمور الشرقية فقط من بين الدول ذات الدخل المنخفض مُصدّرتين صافيتين للطاقة، وكذلك ماليزيا وبروناي ذواتي الدخل المرتفع.
مع انهيار النظام العالمي القديم، فإن الحرب الإيرانية ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من الصدمات الاقتصادية الدولية التي أصبحت أكثر تواتراً من أي وقت مضى.
لا تقتصر التأثيرات على قطاع الطاقة فحسب، بل تشهد تكاليف الأسمدة ارتفاعاً حاداً أيضاً، نظراً لأن الشرق الأوسط ومضيق هرمز يُعدّان مصدراً رئيسياً لإمدادات الأسمدة العالمية، فضلاً عن كون الغاز الطبيعي عنصراً أساسياً في إنتاج الأسمدة.
وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، مما قد يُفاقم أزمةً أخرى.
كما تتأثر الرحلات الجوية والشحن الدوليان سلباً، وتواجه تكاليف أعلى، مما يُؤثر بدوره على التجارة والسياحة العالميتين.
مرة أخرى، تُعدّ الدول الصغيرة النامية، مثل دول المحيط الهادئ، من بين الأكثر عرضةً للخطر نظراً لاعتمادها الكبير على استيراد المواد الغذائية وغيرها من السلع، في حين أن قطاع السياحة الدولية غالباً ما يكون حيوياً للدخل والتوظيف.
وتُعتبر دول مثل كمبوديا وتايلاند ونيبال من بين الأكثر عرضةً للخطر، من بين دول أخرى، نظراً لاعتمادها على السياحة وصادرات الصناعات التحويلية.
قد تؤدي أسعار الفائدة العالمية المرتفعة كرد فعل من البنوك المركزية وأسواق السندات، إلى جانب استجابة “تجنب المخاطر” من جانب المستثمرين، إلى هروب رؤوس الأموال من الاقتصادات الناشئة والحدودية في المنطقة - مما يضغط على أسعار الصرف ويجدد المشاكل بالنسبة للدول المثقلة بالديون بالفعل مثل لاوس وسريلانكا وباكستان وبنغلاديش.
إلى جانب التهديد المباشر الواضح، يكمن التحدي الأعمق أمام صانعي السياسات في التعامل مع عالم يزداد عرضةً للصدمات.
فمع انهيار النظام العالمي القديم، تُعدّ هذه الحرب أحدث حلقة في سلسلة من الصدمات الاقتصادية الدولية التي باتت تواتراً متزايداً، بدءاً من جائحة كوفيد - 19، مروراً بالغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً إلى حرب التعريفات الجمركية المستمرة.
من المفترض أن يتمتع صناع السياسات في الدول ذات الحيز السياسي الأوسع (أي ذات التضخم والديون المنخفضة) بنطاق أوسع لتجاوز تأثير الصدمات باعتبارها صدمة عابرة، مما يسمح بتقديم دعم نقدي ومالي أكبر.
مع ذلك، لا يزال الحذر مطلوبًا، ففي عالم يزداد عرضة للصدمات، قد يجد صناع السياسات الاقتصادية الكلية أنفسهم سريعًا أمام حيز سياسي أقل.
بالنسبة للاقتصادات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الدول المثقلة بالديون في آسيا وبعض جزر المحيط الهادئ الصغيرة، قد تستدعي صدمة الطاقة العالمية المطولة طلب دعم خارجي طارئ من صندوق النقد الدولي وشركاء آخرين متعددي الأطراف وثنائيي الأطراف.
وبشكل عام، فإن العالم الذي يزداد عرضة للصدمات يعطي الأولوية لبناء أنظمة الحماية الاجتماعية في المنطقة لتكون أكثر قوة وشمولية وتمويلاً جيداً.
وبالمثل، فإن الحرب تزيد من أهمية تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، كوسيلة للحد من التعرض لصدمات أسعار النفط المستقبلية.
سيكون ذلك صعباً في ظل الصدمة الاقتصادية الحالية، ولكنه يظل أجندة سياسية حاسمة على المدى المتوسط لا ينبغي تأجيلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك