عشاق سينما الأبيض والأسود يتذكرون الممثلة كاريمان، التى لعبت بطولة فيلم «الحموات الفاتنات»، وفيلم «الفانوس السحرى»، وظهرت مع عبدالحليم حافظ فى فيلم «بنات اليوم»، وظلت تمثل حتى عام 1967 حينما شاركت فى فيلم «نورا» قبل أن تعتزل وتُنهى مشوارها الفنى القصير، ولكاريمان أصول تركية، وقد حدث لها هذا الموقف الرمضانى فى تركيا، وهى طفلة صغيرة حسبما ذكرت لمجلة «الكواكب»:لم أكن أعرف التقاليد التركية فى شهر رمضان، فطاب لى أن ألمسها بنفسى، ولكن حدث فى اليوم الأول من الشهر المبارك ما لم يكن فى الحسبان، أذكر أننى بدأت أصوم رمضان فى سن الثامنة، وقد حاولت أمى أن تمنعنى من الصيام فى تلك السّن المبكرة، ولكننى أصررت عليه وتحمّلت متاعبه، رغم أننى كنت أحس بجوع شديد، تحمّلت لأننى أعتبر الصوم رياضة تستلزم إرادة قوية، وقد كان يهمنى أن أبدو فى صورة ذات الإرادة القوية، وفى رمضان التالى شاءت الظروف أن أكون فى إسطنبول، وقد ذهبنا إليها قبل رمضان بعشرة أيام لنزور عمتى التى تقيم بها، ولنرى عاصمة العثمانيين فى صيفها الرائع.
وحاولت عمتى كما فعلت أمى أن تثنينى عن الصيام فرفضت، وأحسست أنها قد اشتركت مع أبى فى وضع خطة لإرغامى على الافطار، وعرفت بطرقى الخاصة أن الخطة هى أن أُترك نائمة فلا أتناول طعام السحور، وبالتالى لا أستطيع مقاومة الجوع فى اليوم التالى، ولهذا ما كادت عمتى تطفئ النور فى حجرة النوم حتى جلست فى الفراش حتى لا أنام، ورُحت أقاوم النعاس بصبر، وكانت رأسى تميل على جسدى، فأرفعها بسرعة، وأعود قسراً إلى اليقظة، حتى حان موعد السحور، فتظاهرت بأننى نائمة لأرى ما تُسفر عنه الخطة، ووجدتهم يتسللون إلى غرفة الطعام وهم يتهامسون، وإذ ذاك نهضت من الفراش وجلست على المائدة، فراحوا ينظرون إلى بعضهم بدهشة ولا ينبسون ببنت شفة، وهكذا استطعت أن أصوم، وفى صباح اليوم التالى، قلت لعمتى: «المدفع اللى بيضرب علشان الفطار بيبقى فين يا عمتى؟ فقالت: مفيش يا بنتى فى إسطنبول مدافع، إحنا عندنا المآذن تنور علشان الناس تفطر.
المدافع فى مصر بس».
ثم راحت عمتى تشرح لى عادات الأتراك وتقاليدهم فى شهر الصوم، وشرحت لى كيف يصنعون الأطباق الشهية، وكيف يسهرون السهرات الممتعة، وكيف انقرضت بعض التقاليد القديمة بعد ثورة أتاتورك، وانتهيت من سمرى العذب مع عمتى عن تقاليد الأتراك فى الظهيرة، فمضيت أقرأ فى كتاب حتى أدركنى النعاس، فنمت طويلاً، واستيقظت لأجد الساعة قد تجاوزت الرابعة، وأنتم تعلمون أن أشق أيام رمضان هو اليوم الأول، أما الأيام التالية فيبدأ المرء فى التعود على النظام الجديد، لهذا أحسست بالجوع عندما استيقظت من النوم، وبدا علىّ الضعف والوهن.
وقد رأيت أن أخفى ضعفى ووهنى عن عمتى حتى لا تقول إننى لا أستطيع الصيام، فأخذت أولاد عمتى ونزلنا إلى حديقة البيت لنلهو حتى تُضاء أنوار المآذن.
وراح أولاد عمتى يتحدّثون، ولكننى اقتصدت فى الحديث معهم وتعلقت عينى بمئذنة جامع كنت أراها على بُعد وأنا جالسة على مقعدى تحت شجرة وارفة الظلال، ومضى الوقت بطيئاً، وخيّل إلىّ أن عقرب الساعة لا يتحرّك، وأكملنا اللعب بعض الوقت، ونظرت إلى الساعة ثانية، فإذا بموعد الإفطار وشيك، فتركت اللعب وعُدت إلى مقعدی أحدق فى مئذنة المسجد، ومضت الدقائق والمئذنة لا تضىء، وأحسست بالجوع يؤلم أمعائی، وجعل أولاد عمتى يحدقون معى فى المئذنة، وغربت الشمس تماماً، وبدأ الظلام يزحف إلى الأفق، كل هذا ونحن فى دهشة مما يحدث أمامنا، وأخيراً رأينا أن نصعد إلى الطابق الثانى لأسأل عمتى عن موعد الإفطار، ووجدت عمتى تغادر المائدة بعد أن تناولت طعام الإفطار مع أبى، وقالت لنا إنها اعتقدت أننا خرجنا، فمضت تنتظر عودتنا دون جدوى ولهذا أفطرت.
وسألتها عن المئذنة التى لم تضئ أنوارها، فقالت إن هذه المئذنة بالذات قد قطع عنها التيار بسبب خلل فى الأسلاك، ونزلنا على الطعام كالوحوش، وكانت هذه أطول مدة أصوم فيها، فقد أكلت بعد موعد الإفطار بثلاثة أرباع الساعة، وكان السبب هو الطريقة التركية فى الإفطار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك