كل يوم يتغير وجه العالم على وقع طبول الحرب، وكل ساعة تعاد صياغة خرائط النفوذ والمصالح.
فى هذا المشهد المضطرب تبدو المصالح الاستراتيجية هى اليد العليا، بينما تتراجع شعارات حقوق الإنسان أمام دوى الطائرات وصدى الصواريخ.
لبنان ينزف على هامش الصراع، والأسواق العالمية تهتز، فيما تتوالى إعلانات النصر من مختلف الأطراف، فى تناقض صارخ مع حجم الخسائر الإنسانية والاقتصادية.
وبين تبادل الاتهامات وتحميل المسئوليات، يبدو المشهد الإقليمى أقرب إلى انزلاق جماعى نحو مرحلة أكثر هشاشة، حيث يتآكل الاستقرار وتتسع دوائر القلق العالمى.
وفى هذه الأجواء، تواجه الولايات المتحدة خيارين صعبين، وكلاهما يحمل تحديات كبيرة وعواقب مريرة.
مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، لم يتحقق السيناريو الذى راهنت عليه دوائر فى الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن سقوط سريع للنظام فى إيران.
على العكس، يبدو النظام الإيرانى حتى الآن متماسكًا سياسيًا وأمنيا، مع استمرار إطلاق الصواريخ وإدارة المشهد الداخلى.
هذا الواقع يسلط الضوء على احتمال وجود سوء تقدير لدى واشنطن وتل أبيب، سواء فيما يتعلق بصلابة البنية الأمنية الإيرانية أو بقدرة طهران على امتصاص الضربات الأولى وإعادة تنظيم صفوفها.
فالتاريخ العسكرى يثبت أن الضربة الأولى لا تحسم الحروب دائمًا، بل إن القدرة على الصمود وإطالة النفس هى التى تحدد مسار الصراع.
تتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب التى توعد فيها طهران بـ«ضربات قوية جدًا»، خلال الأسبوع المقبل.
وتأتى هذه التهديدات فى وقت تدخل فيه الحرب أسبوعها الثالث وسط تصعيد عسكرى وسياسى متبادل، ما يعكس اتساع دائرة التوتر فى المنطقة وتزايد احتمالات انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
ويشير هذا التصعيد فى الخطاب السياسى إلى أن المواجهة لم تعد مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل أصبحت جزءًا من صراع استراتيجى أوسع يسعى فيه كل طرف إلى فرض معادلات جديدة على الأرض.
وفى ظل استمرار الضربات المتبادلة وغياب مؤشرات واضحة على التهدئة، تبرز تساؤلات جدية حول ما إذا كانت المنطقة تقف بالفعل على أعتاب مرحلة أكثر خطورة فى مسار الصراع، قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود المواجهة الحالية لتشمل توازنات الأمن والطاقة فى الشرق الأوسط بأكمله.
فى مؤتمر صحفى، توعد وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيث بمواصلة الحرب ومواجهة النظام الإيرانى بلا رحمة، مؤكدًا أن أكثر من خمسة عشر ألف هدف تم ضربه داخل إيران، وأن القوات الأمريكية تنفذ بالتنسيق مع إسرائيل نحو ألف ضربة يوميًا.
كما شدد على أن القرار النهائى لإنهاء الحرب يعود إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
من جانبه، أكد رئيس الأركان الأمريكى دان كين أن القوات الأمريكية تعمل على تدمير القدرات القتالية الإيرانية، معلنًا السيطرة على الأجواء الإيرانية واستهداف مخازن الأسلحة بدقة.
كما أشار إلى أن طهران تستخدم ورقة مضيق هرمز كورقة ضغط، مع استمرار قدرتها على تهديد الملاحة التجارية.
هذا الخطاب يعكس ثقة عسكرية عالية، لكنه أيضًا جزء من الحرب الإعلامية والنفسية التى ترافق الصراعات الكبرى.
فى المقابل، تعهد المرشد الإيرانى الجديد المختفى مجتبى خامنئى بمواصلة القتال، ملوحًا بإمكانية إبقاء مضيق هرمز مغلقًا.
كما ظهر عدد من كبار المسئولين الإيرانيين فى مناسبات علنية، من بينهم مسعود بزشكيان وعلى لاريجانى وغلام حسين محسنى إجئى ومحمد مخبر، وعباس عراقجى فى رسالة واضحة تهدف إلى نفى روايات انهيار القيادة أو اختفائها.
استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية رغم الضربات المكثفة يشير إلى أن القدرات العسكرية لم تشل بالكامل كما يتم الإعلان عنه فى بعض التصريحات، وهو ما يعكس الفارق التقليدى بين الخطاب الإعلامى والواقع الميدانى.
كما تشير المعطيات إلى أن العمليات العسكرية خلال الأسبوعين الماضيين ركزت على استهداف قدرات النظام الإيرانى، فى إطار ما وصفه بعض المسئولين بمرحلة «تجريد القدرات الاستراتيجية».
رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أكد أن بلاده تهيئ الظروف للإطاحة بالنظام الإيرانى، وهو تصريح يكشف أن الهدف يتجاوز تحجيم القدرات العسكرية إلى محاولة إحداث تغيير سياسى فى طهران.
لكن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أثبتت أن إسقاط الأنظمة من الخارج لا يؤدى بالضرورة إلى استقرار سريع، بل قد يفتح الباب لفترات طويلة من الفوضى والصراعات الداخلية.
إعلان الجيش الأمريكى مقتل أربعة من أفراد طاقم طائرة تزويد بالوقود تحطمت غربى العراق، فى حادث غير ناتج عن نيران معادية، يسلط الضوء على تعقيدات العمليات العسكرية الواسعة.
فكلما اتسعت العمليات الجوية وزادت كثافتها، ارتفعت احتمالات الحوادث التقنية أو الأخطاء التشغيلية، حتى وإن جرى توصيفها رسميًا على أنها حادث عرضى.
يبقى مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الضغط فى هذا الصراع.
فأى تعطيل للملاحة فيه قد يسبب أزمة طاقة عالمية، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا من صادرات النفط العالمية يمر عبره.
لذلك، يشكل التهديد بإغلاقه أداة ضغط استراتيجية فى يد طهران، لكنه فى الوقت نفسه يضع إيران فى عزلة عن محيطها الإقليمى ويزيد من الضغوط عليها دوليًا.
السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت واشنطن قد دخلت حربًا أوسع وأكثر تعقيدًا مما كان مخططًا له.
فإذا لم يتحقق الحسم السريع، فإن البدائل تصبح إما تصعيدا أكبر أو البحث عن مخرج سياسى يحفظ التوازن.
التجارب السابقة فى الشرق الأوسط تظهر أن الدخول فى الحروب قد يكون سريعًا، لكن الخروج منها غالبًا ما يكون معقدًا ومكلفًا.
بعد ثلاثة أسابيع من القتال، لا يبدو أن أى طرف قادر على إعلان نصر حاسم.
التصريحات السياسية والعسكرية تعكس ثقة كبيرة، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى صراع طويل قد يعيد تشكيل موازين القوى فى المنطقة.
وفى عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ، يبقى السؤال: من يملك قرار إنهاء هذه الحرب، ومن سيدفع الثمن الأكبر لاستمرارها؟ والسؤال الأهم: هل حان الوقت لإنشاء مشروع عربى خالص للشرق الأوسط، بعيدًا عن المشاريع الأخرى، وبعيدًا عن الحسابات والمصالح للدول الباحثة عن فرض مشاريعها ومصالحها؟ ،

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك