بين المحال القديمة التي ما زالت تحتفظ بشكلها وتقف صامدة عبر السنوات في منطقة المغربلين بمصر القديمة، يبرز محل سوبيا كامل، ليس مجرد محل يقدم مشروب السوبيا، بل مكان يقدّم الذكريات؛ يقف العم كامل عبدالغني داخل متجره الصغير، يسكب أكواب السوبيا الباردة لزبائنه الذين اعتادوا مذاقها منذ سنوات طويلة، إذ منحها عمره كاملًا حتى تصل إلى مذاقها الأصلي، ليستمتع بها الكبار فتوقظ فيهم ذكريات الطفولة، بينما تمنح الصغار تجربة جديدة تمتلئ ببهجة الشهر الكريم.
يقول العم" كامل عبدالغني" إنه يعمل في صناعة السوبيا بمختلف أنوعها لما يقرب من سبعين عامًا، حيث تعلم طريقة صناعتها وأساسياتها بنفسه، من خلال التجربة والممارسة، فكان يمزج الأرز باللبن وباقي المكونات مرة تلو الأخرى، يفشل أحيانًا ويبدأ من جديد، حتى توصل إلى مذاقها المميز الذي ما إن تتذوقه حتى تستعيد ذكريات الماضي، ولم تقتصر خبرته على التجارب الفردية فقط، بل عمل لـ25 عامًا في أحد أشهر محال السوبيا، ما منحه خبرة واسعة في تفاصيل المهنة وأسرارها، ومهّد له الطريق لافتتاح محله الخاص.
يختلف مشروب السوبيا عن السوبيا التي يُعدها العم بشكل كبير، فلكل منهم مذاق خاص وقوام مختلف، ووصفه خاصة، فالسوبيا عبارة عن مزيج كثيف القوام (يشبه المهلبية) يُحضر من الأرز، الحليب، السكر، ومكونات اخرى، وتتميز بطعمها القشدي وتُقدم باردة، وغالبًا ما يُرش على وجهها القرفة أو المكسرات وتؤكل بالملعقة، أما الأخرى فهي مشروب رمضاني تقليدي بارد، تُصنع من الـ" بودر" واللبن أوالماء -حسب حديثه.
ويضيف عبد الغني أنه يوفر السوبيا بعدة أنواع مختلفة داخل متجره في منطقة المغربلين، لتناسب جميع الأذواق، فهناك السوبيا بمذاقها الأصلي بجوز الهند دون أي إضافات، التي تعيد ذكريات الزمن الجميل بمجرد تذوقها، كما بدأ في إدخال بعض الفواكه مثل الفراولة والمانجو، بحسب فاكهة الموسم، لتمنح السوبيا مذاقًا مميزًا يعجب الصغار والكبار.
ولم يتوقف عند ذلك، بل ابتكر نوعًا جديدًا يُعرف بـ" السوبيا الحامضة أو اللاذعة"، ويُطلق عليها اسم" السوبيا المززة"، حيث تمنح مذاقًا لاذعًا يشبه نكهة الليمون، وقد نالت إعجاب الكثيرين من محبي الطعم الحمضي - حسب حديث العم، مضيفًا أنه يحرص على تقديم جميع الأنواع باردة، مع رشّة خفيفة من القرفة على سطحها، لتعزيز نكهتها ومنحها طعمًا أكثر تميزًا.
ويحكي عم كامل عن إقبال الناس عليها في شهر رمضان، حيث يتوافد الزبائن لتناولها بعد الإفطار كنوع من التحلية، مؤكدًا أن الإقبال عليها في رمضان لا يقل أبدًا، فالكثيرون يفضلون كسر صيامهم بها، إذ تعد المشروب المفضل لدى الكثير، خاصة خلال الشهر الكريم.
" هورثها لأولادي وأحفادي".
ينهي كامل حديثه بحبه الشديد لمهنته واعتزازه بها، ورغبته الكبيرة في الحفاظ عليها واستمرارها، ويأمل أن يورّثها لأبنائه وأحفاده، وألا يتوقف عن صناعة السوبيا بمختلف أنواعها، حتى يظل هذا التراث حيًّا ويترك بصمته عبر الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك