فى قلب مدينة دمياط، وعلى مقربة من نيلها العريق، يقبع مسجد عمرو بن العاص، شاهداً على بدايات الفتح الإسلامى فى مصر، والذى يعتبر أحد أقدم المساجد التى عرفتها المحافظة، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن إنشاءه يعود إلى عام 21 هجرية، عقب دخول الإسلام إلى دمياط، ليصبح منذ ذلك الحين منارة للعلم والعبادة، وذاكرة حية لأحداث تعاقبت عبر قرون طويلة.
المسجد الذى يُعرف أيضاً باسم «مسجد الفتح أو أبوالمعاطى»، مرّ بمحطات تاريخية متباينة، إذ تعرّض للهدم وإعادة البناء أكثر من مرة، خاصة خلال فترات الغزو الصليبى لدمياط، قبل أن يعود مسجداً جامعاً يحتضن المصلين ويستعيد مكانته الدينية، وخضع المسجد فى العصر الحديث لعمليات ترميم وتطوير للحفاظ على طابعه المعمارى، مع الإبقاء على روحه التاريخية التى تميّزه عن غيره من مساجد المدينة.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، يتضاعف الحضور داخل المسجد بشكل لافت، حيث تمتلئ أروقته وساحاته بالمصلين فى صلوات التراويح والتهجّد، ويحرص الكثير من أهالى دمياط على أداء الصلاة فيه تحديداً، لما يحمله من رمزية تاريخية وروحانية خاصة.
يقول محمد عبدالسلام، أحد أبناء المنطقة: «الصلاة فى مسجد عمرو بن العاص لها طعم مختلف، نشعر بأننا نصلى فى مكان شهد تاريخ الإسلام فى دمياط، وكل رمضان نحرص أنا وأبنائى على الوجود هنا».
وتضيف سارة أحمد: «اعتدنا منذ سنوات أن نجتمع كأسرة بعد الإفطار ونتوجه إلى المسجد، الأجواء فيه مميزة، والروحانية عالية، خاصة فى العشر الأواخر».
ولا يقتصر دور المسجد على أداء الصلوات فقط، بل يشهد تنظيم دروس دينية ولقاءات توعوية تنظمها مديرية الأوقاف بدمياط عقب الصلوات، مما يجعله مركزاً إشعاعياً دينياً واجتماعياً فى آنٍ واحد، تتلاقى فيه الأجيال وتتوارث من خلاله القيم والعادات.
يرتبط المسجد كذلك بواحدة من المناسبات الشعبية المعروفة فى دمياط، وهى الاحتفال بمولد «أبوالمعاطى»، الذى يُقام فى محيط المسجد كل عام، ويتزامن مع ليلة النصف من شعبان.
ويؤكد محمد أبوحشيش، أحد رواد المسجد، أن الاحتفال بالمولد تقليد قديم لأهالى المنطقة، حيث تتجمع الأسر فى محيط المسجد، وتُقام حلقات الذكر والإنشاد الدينى، فى أجواء يغلب عليها الطابع الروحانى.
هكذا يظل مسجد عمرو بن العاص بدمياط أكثر من مجرد مبنى أثرى أو مكان للصلاة، إنه مساحة للذاكرة الجمعية، ومَعلَم يرتبط بالمناسبات الدينية الكبرى، من ليالى رمضان العامرة بالمصلين، إلى احتفالات النصف من شعبان التى تمزج بين الذكر والتقاليد الشعبية، ومع كل عام يتجدّد حضوره فى وجدان الأهالى، ليبقى أحد أهم وأشهر مساجد دمياط عبر التاريخ.
وأكد الدكتور هانى السباعى، وكيل مديرية الأوقاف بدمياط، أن مسجد عمرو بن العاص يحظى باهتمام خاص من المديرية، نظراً لقيمته التاريخية والدينية، مشيراً إلى تكثيف الفعاليات الدعوية به خلال شهر رمضان المبارك.
وأضاف أن المسجد يشهد تنظيم دروس يومية عقب صلاتى العصر والتراويح، إلى جانب ملتقيات فكرية وبرامج توعوية تستهدف مختلف الفئات العمرية.
وأوضح أن الإقبال على صلوات التراويح والتهجد يتزايد بشكل ملحوظ كل عام، حيث تمتلئ أروقة المسجد وساحاته بالمصلين من مختلف أنحاء دمياط، فى مشهد يعكس ارتباط الأهالى بمساجدهم التاريخية وحرصهم على اغتنام الأجواء الروحانية التى يتميز بها هذا المسجد العريق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك