وأوضح أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج رمضان حكاية مصرية، على قناة الناس، اليوم السبت، أن الذاكرة القبطية في مصر تحتفظ أيضًا بحضور جميل لشهر رمضان، ليس فقط باعتباره شهر عبادة للمسلمين، ولكن باعتباره حالة اجتماعية عاشها الناس معًا عبر الزمن، مشيرًا إلى أن رائحة الزمن القديم لا تزال حاضرة في البيوت المتجاورة التي عاشت روح المشاركة والمودة.
وأشار إلى ما ذكرته الباحثة القبطية الس إسكندر جرجس في إحدى دراساتها، حيث تحدثت عن قريتها" بقلوله" في كفر الشيخ، موضحًا أنها مثل كثير من القرى المصرية في الصعيد ووجه بحري ما زالت تحتفظ بعادات أصيلة مرتبطة برمضان، حيث يحتفل الناس بالشهر بمحبة كبيرة، ويضعون صواني الطعام في المساجد ليأكل منها الغريب أو المحتاج، بينما يرسل بعض الأغنياء الذبائح والصدقات في الخفاء حتى لا يحرجوا أحدًا.
وأضاف أن هذه المظاهر تكشف قوة العِشرة المصرية التي تتجاوز أي اختلاف، مشيرًا إلى أحد التقاليد القديمة التي ما زالت حاضرة، وهو فن" الأومة"، وهو فن مصري قديم يعود إلى العصر الفاطمي، وكان أصل نداء المسحراتي الذي ما زال يُسمع حتى اليوم، حيث كان النداء في البداية عبارة عن كلام موزون يُقال على إيقاع الطبل لإيقاظ الناس للسحور، ويُختتم بعبارة" أومة للسحور"، ثم تطور لاحقًا إلى النداء المعروف: " اصحى يا نايم وحد الدايم".
وتابع الدكتور عمرو منير أن قرية بقلوله في كفر الشيخ ما زالت تحافظ على تقليد المسحراتي، حيث يتناوب ثلاثة أشخاص على القيام بهذه المهمة، يطوفون في الحارات وينادون الناس بأسمائهم، وعند نهاية الشهر يمرون على البيوت فيحصلون على أجر بسيط وبعض الهدايا مثل الكحك والبسكويت والأرز وحبوب البركة، وهي أشياء تحمل قيمة رمزية أكبر من قيمتها المادية.
وأوضح أن للسحور في هذه القرية طعمًا خاصًا، حيث تجتمع الأسر على أطعمة بسيطة مثل القرص واللبن والقشطة والجبن والفول والفواكه، ثم يقوم الناس بعده للدعاء والصلاة، وكل بيت يقدم ما يستطيع، لكن الجو العام يظل واحدًا: جو المحبة والهدوء والراحة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأشياء قد تغيرت مع الزمن، فالفوانيس مثلًا أصبحت تُصنع في الصين، لكن روح الفانوس وروح اللمة ما زالت باقية، كما أن فرحة رمضان لم تتغير في قلوب المصريين.
وأكد أستاذ التاريخ والحضارة أن رمضان في عيون الأقباط يمثل فصلًا من الفرح المصري، فهو شهر العبادة عند المسلمين وشهر المحبة والمشاركة عند الجميع، وهو علامة واضحة على أن المصريين يعرفون كيف يعيشون معًا رغم اختلاف الأديان، فربما تبدلت بعض الطقوس، لكن الروح بقيت كما هي؛ الروح التي تجعل المسلم والمسيحي يشربان من نفس النيل، ويفرحان بنفس الهلال، ويعيشان رمضان وكأنه عيد مصري للجميع، لتظل الحكاية في النهاية حكاية مصرية خالصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك