حذر الحقوقي المخضرم والرئيس السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أريه نيير من تحولات جذرية وخطيرة تستهدف تقويض" التعديل الأول" للدستور الأمريكي، الذي يعد الحصن المنيع لحرية التعبير.
وفي مقال تحليلي معمق نشرته مجلة" نيويورك ريفيو أوف بوكس"، أشار نيير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، تتبنى إستراتيجية قانونية وسياسية تهدف إلى ترهيب المؤسسات الإعلامية وإضعاف قدرتها على ممارسة دورها الرقابي، مما يفتح الباب أمام عهد جديد من تكميم الأفواه تحت غطاء قانوني.
ويرى الكاتب أن جوهر الهجوم الحالي يتركز على محاولة إلغاء أو إضعاف المبادئ القانونية المستقرة التي تحمي الصحفيين، وعلى رأسها قضية" نيويورك تايمز ضد سوليفان" التاريخية.
ويوضح التقرير أن هذه السابقة القانونية تمنع المسؤولين العامين من مقاضاة وسائل الإعلام بتهمة التشهير إلا في حال إثبات سوء النية الفعلي، وهو معيار وضعه القضاء الأمريكي لحماية حق الصحافة في انتقاد السلطة دون خوف من الملاحقات القضائية التعجيزية.
وتُعد قضية" نيويورك تايمز ضد سوليفان" (1964) حجر الزاوية في فقه الحريات الصحفية الحديثة، حيث أصدرت المحكمة العليا الأمريكية بموجبها حكما تاريخيا رسخ حماية واسعة لوسائل الإعلام ضد دعاوى التشهير التي يرفعها المسؤولون العامون.
وقد أرسى هذا الحكم معيارا قانونيا صارما يقضي بأن النقد الموجه للمسؤولين، حتى وإن تضمن بعض الأخطاء الوقائعية، يظل محميا بموجب الدستور، ولا يجوز إدانة الصحافة إلا إذا أُثبت أن النشر تم بـ" سوء نية فعلي" ومعرفة مسبقة بزيف المعلومات، وذلك لضمان عدم استخدام القضاء كأداة لترهيب الصحفيين ومنعهم من أداء دورهم الرقابي في كشف الحقائق ومحاسبة السلطة.
تشكل قضية" نيويورك تايمز ضد سوليفان" (1964) حجر الزاوية في فقه الحريات الصحفية الحديثة، حيث أصدرت المحكمة العليا الأمريكية بموجبها حكما تاريخيا رسخ حماية واسعة لوسائل الإعلام ضد دعاوى التشهير التي يرفعها المسؤولون العامون.
ويكشف الكاتب عن أن التوجه الحالي يسعى لتوسيع تعريف التشهير وتسهيل رفع الدعاوى القضائية ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وهو ما يصفه بالترهيب المالي، إذ تُستخدم القضايا القانونية كأداة لاستنزاف موارد الصحف ودفعها نحو الرقابة الذاتية تجنبا للتكاليف الباهظة للتقاضي، حتى وإن كانت الأخبار المنشورة دقيقة وموثقة.
وفي زاوية أكثر خطورة، يسلط الكاتب في مقاله الضوء على استخدام" قانون التجسس" كأداة لملاحقة الصحفيين الذين ينشرون معلومات مسربة تتعلق بالأمن القومي.
ويؤكد الكاتب أن هذا التوجه لا يستهدف" المسربين" فحسب، بل يمتد لتجريم فعل" النشر" بحد ذاته، وهو ما يعد سابقة تهدد جوهر العمل الاستقصائي.
ويشير إلى أن تصوير الصحفيين كأعداء للشعب أو" خونة" ليس مجرد خطاب سياسي عابر، بل هو تمهيد لتغيير العقيدة القانونية التي تحكم العلاقة بين الصحافة والدولة.
الدفاع عن حرية الصحافة بالولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة يتطلب يقظة قانونية وشعبية غير مسبوقة، فالمعركة ليست دفاعا عن مؤسسات إعلامية بعينها، بل هي دفاع عن حق المواطن في الوصول إلى الحقيقةويضيف الكاتب أن هذه الحرب الجديدة لا تقتصر على الأدوات القانونية التقليدية، بل تمتد لتشمل الضغط على شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لفرض رقابة على المحتوى الذي لا يروق للسلطة، تحت دعاوى مكافحة المعلومات المضللة.
ويرى أن هذا التداخل بين السلطة السياسية والمنصات الرقمية يخلق بيئة خانقة تحاصر تدفق المعلومات المستقلة.
ويخلص الكاتب إلى أن الدفاع عن حرية الصحافة بالولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة يتطلب يقظة قانونية وشعبية غير مسبوقة، فالمعركة ليست دفاعا عن مؤسسات إعلامية بعينها، بل هي دفاع عن حق المواطن في الوصول إلى الحقيقة.
ويؤكد أن إضعاف الصحافة هو الخطوة الأولى نحو تقويض الديمقراطية، حيث تصبح السلطة قادرة على رواية أحداثها الخاصة دون وجود عين مراقبة تكشف الانحرافات.
ويختم بالتأكيد أن الصحفي المحترف هو من يدرك أن حريته في القول هي وديعة دستورية لا تملك السلطة حق استردادها، مشددا على أن صمود المؤسسات الإعلامية أمام هذه الضغوط هو الاختبار الحقيقي لمدى رسوخ القيم الديمقراطية في مواجهة النزعات السلطوية المتصاعدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك