إذا كانت الحرب قتل ودمار ونوم في العراء، فكيف يكون المستقبل لمن عاشها؟ وفي المقابل، ما دور الأدب في تصوير ذلك كله؟ فالأديب لا يسمح للحرب أن تمر مرور الكرام دون أن يكتبها بصيغة لامست قلبه وتركت أثراً فيه، وخصوصاً أن الحرب تُقرأ من وجهات نظر مختلفة، مثل الموت في المعركة؛ يكون الميت من وجهة نظر شهيداً، ومن وجهة نظرة أخرى قتيلاً، لا يحمل صفة القدسية.
والمعركة نفسها تُقرأ من وجهات نظر مختلفة، مثل النظرة القومية والدينية والوطنية والإنسانية، وكل وجهة نظر تفرز قناعتها – لكنها بالتأكيد لا تشبه الشعارات الرنانة والطنانة، لرئيس الدولة الجالس في مكتبه المكيَّف ولباسه النظيف، يراقب سير المعارك من خلف شاشة إلكترونية، متحدثاً لوسائل الإعلام عن شجاعة وبسالة المقاتل في الخنادق.
ويتحدث عن المستقبل المشرق المزهر بمسؤولية، متجاهلاً الواقع المزري.
بكل تأكيد، هي ليست كما يروى عنها في وسائل الإعلام الحكومية، التي أجري عليها الكثير من عمليات التجميل السياسية، والتي نقرأ عنها في كتب مناهج التعليم بصيغة مثيرة، وقد أضيف إليها الكثير من البهارا، كي لا تظهر أكذوبة الحكومة، فتفقد هيبتها وهيمنتها على الشعب.
فللحرب وجهٌ آخر أكثر أحقية لا يُروى عنه في المناهج المدرسية، مثل الإقامة في مخيمات اللجوء، والانتظار لساعات طويلة في سبيل الحصول على حصة غذائية تسد الرمق، والاستغلال الذي يتعرض له الإنسان الفار من الحرب في دولته.
وحين يبحث عن مكان آمن له، يتحول إلى سلعة ويتم الاتجار به من قبل مهربي البشر، باحثاً عن بلد أو مكانٍ يوفر له مقومات الحياة الأساسية، يواجه فيها صراع الهوية، أيَّ هوية كانت، دينية أو مذهبية أو قومية.
وحتى الأسر، ليس بوجهة النظر السياسية والمستثمرة حزبياً، وجهاً آخر للحرب المتمثلة في الحرمان الأسري والتعذيب الجسدي والنفسي، لكننا نعثر على جميع وجوه الحرب، والمحذوفة عمداً في الأدب، بصيغتها الحقيقية.
ففي رواية «الحنين إلى كاتالونيا» لجورج أورويل 1903 ــ 1950، الصادرة عام 2002 عن منشورات وزارة الثقافة السورية في دمشق، ترجمة عبد الحميد الحسن، يكتب أورويل من تجربته الشخصية عن حقيقتها المخفية عن أعين الناس، حين كان مراسلاً حربياً، حيث التحق بإحدى الميليشيات وقاتل في الجبهة وأصيب فيها.
اللغة هنا أخذت دور آلة التصوير، فصوَّرها صاحب العمل كما رآها حين كان يهيئ نفسه للقتال على الجبهة، في الحرب الأهلية الإسبانية، إذ صوَّر الطبقية التي اختفت في زمن الثورة، ومعها اختفت الإكرامية ثم عادت إلى الواجهة مجدداً.
حين اختفت هذهِ العادات، كانت الثورة، وحين عادت كانت الحرب.
هي دلالة تصويرية قوية إلى الفرق بين الثورة والحرب، فالثورة هي الرغبة في تغيير واقع سيء إلى الأفضل، وتتحول إلى الحرب حين يتم التدخل الخارجي فيها، حيث تتدخل كل دولة لمصلحتها تحت مسمى ما.
ومن هنا يبدأ التحول «من ثورة إلى حرب»، إذ كل دولة تدعم طرفاً وفقاً لمصلحتها دون قيمة اعتبارية للأسباب التي ثار من أجلها، فتنحرف عن مسارها الأصلي الذي من أجله ثارت.
الحرب ليست كما تروى، بل كما تعاش.
نومٌ في الخنادق من دون غطاء أو كمية كافية من ماء الشرب، الذي غالباً ما يكون عكراً، ونقص في الأسلحة رغم كثرة المنتسبين إلى الميليشيات، وتدريب بدائي تلقيناه، مثل؛ إلى اليمين در، إلى اليسار در.
هذا ما يقوله الكاتب في معرض حديثه عن الحرب، من دون أن تمر في غرفة الأخبار قبل أن تذاع، وهي إشارة من الكاتب إلى عدم وجود الخبرة العسكرية لدى قادة الميليشيا.
فالأسلحة كانت سيئة جداً، تراكمت عليها طبقات من الصدأ، وكان في حوزة كل مقاتل خمسون طلقة، معظمها كانت فاسدة، وبعبثية كان الرمي في الجبهات.
وكان التدريب مختصراً، كيف نصنع ساتراً، وكيف نتقدم في الأرض المكشوفة، وكيف نأخذ حذرنا.
اللباس رديء لأبعد حد، فلا فائدة منه في مقاومة البرد، أو النوم في الإسطبل على القش.
كما كان هناك إبريق ماءٍ واحد يشرب منه جميع الرفاق، وكانت السرقات سائدة في الجبهة.
أيضاً هناك من سرق ساعة من يد جريح، وتلك إشارة صريحة إلى معاناة المقاتل في الخنادق، ناهيك من مدى خطورة وجوده في الخطوط الدفاعية الأمامية.
لكن الحكومة لا تُقدر ذلك، بل تتعامل معه كأنه شيءٌ مادي، إن تعطل نرميه في سلة المهملات ونجلب آخرَ يحل مكانه.
وهذا إشارة إلى انحلال أخلاق السلطة، فهي لا تشير في خطاباتها أياً كانت، باستثناء الخطاب السياسي المؤدلج الذي يخدم السلطة، إلى ذلك، بل تتحدث عن شجاعته وبسالتهِ، من دون أدنى قيمة له في توفير مياه الشرب واللباس الجيد في الجبهة.
بهذا يضع الكاتب السلطة تحت مجهر النقد في خانة الانحلال الأخلاقي بتقدير ممتازٍ.
طبعاً ليس الأخلاق بالمفهوم الشعبي للكلمة، بل الأخلاق كحالة منطقية في تقدير واحترام الآخر، الذي يقدم روحه هدية لك.
والبروباغندا الإعلامية التي كان يتبعها العدو لها دور كبير في التأثير على نفسيتنا، نحن الذين نقاتل على الجبهة، رغم الظروف الصعبة التي نعانيها، فالأخبار التي كانت ترد في وسائل الإعلام، كان مشكوكاً في أمرها، تتم صناعتها وفق ما يلزم الحاجة إليه.
كما أنه يشير إلى سوء التغذية وإلى الجانب السياسي للمعارك، بقوله: «هذهِ ليست حرباً، إنها مسرحية هزلية تتخللها بعض الوفيات أحياناً»، الذي له تأثير كبير على حدة المعارك، إذ، حين تكون الجبهة متوقدة فإن لذلك معنى، وحين تكون خامدة هناك معنى آخر.
بنيوية هذا العمل قائمة على النقد الموضوعي البنّاء، نقد الرأسمالية القائمة على الاستحواذ في تحويل الإنسان إلى آلة تدار، وحسب وصفه، عودة الرقيق مجدداً إلى أوروبا، والتأسف عليه لأنه وصل إلى هذا الدرك الأخير في الرخص، ونقد الطبقة المثقفة، واصفاً إياها بأنها الفئة التي كانت الأكثر نقيقاً ضد الفاشية، وينهار القسم الأكبر منهم إلى الانهزامية حين تقع الواقعة، وإنهم بعيدو النظر في ما يتعلق بالعوامل التي هي ضدهم.
ويشير أيضاً إلى أنه يمكن رشوتهم، ثم امتدح نضال الطبقة العاملة ضد الأنظمة الفاشية، مشدداً على عزيمتهم كما النبات في نموه، رغم المعوقات التي يواجهونها، لأنهم يعرفون ما الذي يجعلهم مثابرين على الصعود إلى الأعلى نحو النور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك