القيم الأخلاقية في ظل العمل عن بعدالحمد لله الذي كتب علينا الإحسان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي دعا لمن تميز عمله بالإتقان، وعلى آله وصحبه والتابعين على مر الدهور والأزمان.
وبعد: فإن الدنيا لا تستقر على حال، ولذلك تعرف تقلبات وتطورات ومستجدات متوالية، ومنذ سنة 2020م عندما وقعت واقعة كورونا انتهج الناس في شتى القطاعات ومواقع العمل ما يعرف بالعمل عن بعد، ثم صار معتمداً في كثير من الميادين التي يمكن العمل بها عن بعد، وتتسع دائرته كلما نزلت نازلة، أو دعت الضرورات إليه.
إن العمل عن بعد ليس بمخالف عن العمل الحضوري إلا في هذه المسألة الحضور في موقع العمل، أو إنجاز العمل من خارج ذلك الموقع، ليبقى العمل عملاً ذا قيم أخلاقية ومهنية سواء أكان عن بعد أو حضورياً، وأهم هذه القيم الأخلاقية: الإتقان: وهو القيام بالعمل على أحسن وجه وأكمله، ومن بذل قصارى جهده في إتقان عمله فقد أحسن وإن لم يتقنه، وفي الحديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ» رواه البيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
» رواه مسلم.
الوفاء: عندما يستلم المسلم أي عمل، ويوافق على شروطه بعد اطلاعه عليها، يجب عليه الوفاء بما التزم به من شروط العمل، لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ولما رواه البخاري معلقاً في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».
الأمانة: إذا وكّلت الإدارة عاملاً بمهمة يقوم بها، وعمل ينجزه ووافق الموظف فلا يجوز له الإخلال بما أسند إليه وتحمله، لأن ما تحمّله يعتبر نوعاً من الأمانات المأمور بأدائها، فالله تعالى أمر بأدائها بصيغة المفرد وصيغة الجماعة فقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وأداء الأمانة من الإيمان لأن خيانتها نفاق، كما في الحديث؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.
» رواه البخاري.
المراقبة الذاتية: إن أبرز ما يتميز به العمل عن بعد من القيم الأخلاقية قيمة المراقبة الذاتية؛ حيث لا يحتاج العامل إلى مدير أو مسؤول فوقه يراقبه، بل ينطلق من مرجعيته الأخلاقيه، وضميره الحي، إلا أن العامل المسلم يتميز في هذه القيمة الأخلاقية بمراقبة الخالق سبحانه وتعالى؛ انطلاقاً من عنصر الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» رواه الشيخان، ويتمرن العامل المسلم على المراقبة الربانية، والمراقبة الذاتية في عبادة هذا الشهر الفضيل عبادة الصيام.
إن الصائم لا يعرف حقيقة حاله إلا الباري سبحانه وتعالى، فلولا أنه يصوم لله، فيترك طعامه وشرابه وشهوته لأجله تعالى، ولو لم يكن لديه حس المراقبة الربانية ثم الذاتية لاختبأ ممن حوله وأكل أو شرب، فمن يعلم به غير خالقه.
والمطلوب أن العبد كما يكون في الصيام ينبغي أن يؤدي عمله، فحفظ الصائم لجوارحه أمانة، والحرص على عدم خدش صومه إتقان، والصبر إلى غروب الشمس وفاء، وعدم نقض صومه إخلاص ومراقبة، فإذا كان العمل بمثل هذا النهج، تمت نهضة الأمة بنجاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك