تناولت من قبل آراء كل من الشيخ بخيت المطيعى وطه حسين والعقاد والطاهر بن عاشور على كتاب على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم».
وقد توالت الردود فانبرى له الشيخ الخضر حسين، شيخ الجامع الأزهر، فألف كتاباً محكماً فى هذا المضمار وسمه بـ«نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم».
تتبع فيه الأبواب التى أوردها «عبدالرازق»، باباً تلو الآخر، فكان يبدأ بتلخيص الباب، ثم يورد الفقرة التى تعبّر عن الفكرة موضوع النقد فيفندها، ثم قدح فى استخدام المؤلف للمصادر.
وكان أوجه ما ذكره هو أن «عبدالرازق» يقتطع العبارات من سياقها، ويعيد توظيفها فى سياق جديد، يرمى إلى خدمة المعنى الذى قصده، وهو تفنيد مسألة أصالة «الخلافة» فى الإسلام، وقد أظهر الخضر الحسين فى كتابه القصير المحكم علماً غزيراً وإحاطة متمكنة بأصول الفقه والتشريع، ومعرفة عميقة بالتاريخ الإسلامى.
وبتركيز أشد يأخذ «الخضر» على «عبدالرازق» ما يراها مثالب ونقائص واضحة فاضحة هى:- ينظر «عبدالرازق» إلى الإسلام فى قضية الدولة أو علاقته بالسياسة بالمنظار نفسه الذى رأت به النهضة الأوروبية المسيحية الكاثوليكية، ومن ثم فإن كتابه ينطوى على تغريب وليس على تجديد.
- ما كتبه ليس نابعاً من قصور الفهم، إنما من إرادة واضحة ترمى إلى قلب الحقائق.
- بنى استدلاله على أن سلطة الخليفة مستمدة من سلطان الله، أى ليس على ما جاء به الفقه، لأن مثل هذا غير موجود بالمرة، إنما على ما جاد به الأدب العربى، شعراً ونثراً.
- الإحالة إلى الغربيين وكتب المستشرقين فى الاستدلال الفقهى والشرعى، وهذا أمر معيب، إذ إن من الممكن قبوله فقط فى الاستدلال على التاريخ والثقافة.
- على عبدالرازق مفتتن بزخرف الحياة الإفرنجية.
- يقع «عبدالرازق» فى التعميم التاريخى الخاطئ بتصوير الخلافة على أنها نظام قهر دائم، واستبداد مقيم.
- الاحتجاج بالخلافة العثمانية كنموذج تنسف به الخلافة عامة هو أمر قاصر، لأن التصور السياسى فى الإسلام حجة على هذه الخلافة وليس تعبيراً عنها.
- إن استدلال «عبدالرازق» فى رفضه للخلافة على أن القرآن لم يذكرها أو يشير إليها هو أمر جانبه الصواب، فالفقهاء يعتبرون الخلافة من فروع الدين، وليس بالضرورة أن ينص القرآن على الفروع، وهو المعنى بالأصول.
وقد أراد «الخضر» ألا يحصر المشروع السياسى للإسلام فى شكل «الخلافة»، وذلك فى هذا محاولة لتطويق رؤية «عبدالرازق» بطريقة ذكية، فها هو يقول: «لم يدع أحد قط أن صلاح شأن الرعية، وصيانة شعائر الدين مربوطان باسم الخلافة، وأن لقب الخليفة كالرقية النافعة، يذهب بها كل بأس، أو الدعوة المستجابة ينزل عندها كل خير، والذى نعلمه ويعلمه أشباه العامة من المسلمين أن الخلافة لا تريك آثارها، وتمنحك ثمارها من منعة وعزة وعدالة إلا إذا سارت على سنة العزم فى الأمور والحكمة فى السياسة.
والقوة المشروعة للخليفة لا تزيد على القوة التى يملكها رئيس دولة دستورية، وانتخابه فى الواقع إنما كان لأجل مسمى، وهو مدة إقامة قاعدة الشورى على وجهها، وبذل الجهد فى حراسة حقوق الأمة، وعدم وقوفه فى سبيل حريتها.
وشكل بعض الحكومات القائمة على خليفة ووزراء ومجلس نيابى يجرى انتخابه تحت ظلال الحرية التامة، لا يخالف الشكل الملائم للخلافة الحقيقية بحال».
ووظّف «الخضر» ثقافته الزيتونية المتينة والأزهرية العميقة لنقض كتاب «عبدالرازق» وإبطاله، وجادل هذا المؤلف بدقة متناهية فكان عالماً ثبتاً متمكناً من المنظومة الفقهية والسياسية فى حقب زمنية متلاحقة.
لكن كتاب «الخضر» لم يخل من مطعن عليه، إذ أهداه إلى الملك فؤاد الأول قائلاً: «إلى خزانة حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول ملك مصر الأعظم» ثم يمضى: «شهدت من حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم، غيرة على دين الحق، وعناية بشأن رفع المعاهد العلمية الإسلامية، فقلت: إن فى هذه الغيرة والعناية لحماية الدين الحنيف، من نزعة ترمى حوله بشرر من الكيد والأذى.
تلك المزية التى أصبح بها صاحب الجلالة واسطة عقد ملوك الأمم الشرقية، قد أخذت فى نفسى مأخذ الإكبار والإجلال، ودعتنى إلى أن أقدم إلى خزانته الملكية مؤلفاً قمت فيه ببعض بحقوق إسلامية وعملية» ثم ينتهى إلى التقدم برجاء الملك لـ«يتفضل عليه بالقبول، والله يحرص على ملكه المجيد، ويثبت دولته على العز والتأييد».
وبذلك جرح «الخضر» غرضه من التأليف والتصنيف، وأتى على نبل الغاية، وحسن المقصد، وفتح الباب لظنون ساح فيها كثيرون، وقلصت من تأثير الكتاب إلى أدنى حد.
وحدا هذا بالدكتور محمد عمارة إلى أن يصف الكتاب بأنه: أجود دراسة كتبت وقتذاك إلا أن صاحبها ساقها فى الموكب الملكى.
ومع أن «عمارة» يصف دراسة الشيخ الخضر بأنها «أمسكت بتلابيب على عبدالرازق، فى عدد من المواقف الفكرية، وفندت عدداً غير قليل من آرائه، وقدمت إلى الناس صورة أكثر إنصافاً لكثير من الصفحات التى شابتها الشوائب من كتاب «الإسلام وأصول الحكم» إلا أنه يأخذ على الرجل تسخير دراسته تلك لخدمة جبهة الملك الساعى إلى «الخلافة» ضد خصومه الذين يرى بعضهم أنه لا يليق بها، بينما ذهب آخرون إلى أن الخلافة ذاتها لا تمثل نظام الحكم الإسلامى.
وهنا يقول عمارة: «نحن لا نستطيع أن نغفل هذه الشوائب القاتلة، التى شابت هذه الدراسة العلمية الجادة، ولا أن نقبل التعلل بظروف العصر، لأن هذا العصر ذاته كان فيه النقيض لمثل هذا الموقف من الملك والملكية، ولن يستوى الأبيض والأسود، بأى حال من الأحوال، مهما كانت الظروف والملابسات».
أما «عمارة» نفسه فيبدى انتقاداته لمضمون الكتاب، بعد أن يسجل إعجابه بالنتيجة النهائية التى ترتبت عليه وعلى المعركة الفكرية التى دارت حوله، وهى تبديد حلم الملك فؤاد فى أن يصبح خليفة للمسلمين ومعه رغبة الإنجليز فى حدوث هذا.
ويحدد «عمارة» انتقاداته فى أن الكتاب تشوبه عدة عيوب، منها التناقض فى تقييم التجربة الإسلامية فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعما إذا كانت روحانية خالصة أن مزيجاً من السياسى والروحى، وكذلك التناقض فى تقييم التجربة التى لحقت الرسول بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وفساد الاستدلال، نظراً لأن «عبدالرازق» يستشهد بما لا يفيد قضيته أن وضع استشهاده موضع التدقيق، إلى جانب إهمال «عبدالرازق» للجوانب المشرقة فى الفكر الإسلامى، لأنه خلط بين «النظرى» و«التطبيقى» وبين «النص» و«الممارسة» أو بين «الفكر» و«التاريخ».
ومع كل هذا ينتهى «عمارة» إلى القول: «نعتقد أن كل هذه الانتقادات لا تقدح فى قيمة الكتاب وأهميته، كعمل فكرى أثار من الجدل والصراع والمعارك ما لم يثره عمل فكرى آخر فى بلادنا، منذ أن عرفت الكتاب المطبوع وحتى الآن».
وفى ظنى أن كل الردود التى تصدت لـ«عبدالرازق» لم تأت على حجية الكتاب وأهميته، وانتصار الزمن له، مع تنامى الاتجاه إلى أن الإسلام يقر مدنية الحكم، ولا يعرف الثيوقراطية من قريب أو بعيد.
وأخيراً، هناك من قدح فى نسب الكتاب إلى على عبدالرازق أصلاً، وقال إنه شركة بينه وبين طه حسين.
لكن من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يكون طه حسين هو المؤلف الحقيقى للكتاب، لأسباب منها أن الأسلوب أو بنية الجملة فى الكتاب تختلف تماماً عن أسلوب «حسين» الذى كان يحمل سمات شفاهية ظاهرة نظراً لأنه كان يملى كتبه ولا يخطها.
وهذه مسألة لا نعثر عليها إطلاقاً فى طريقة وأسلوب على عبدالرازق الذى نألفه فى كتبه وأبحاثه الأخرى.
كما أن طه حسين الذى كان معروفاً بالشجاعة والاعتداد بالرأى، لم يكن بحاجة إلى التخفى وراء أحد ليطلق أفكاره وفى الوقت نفسه كان «عبدالرازق» مكتمل القيمة والقامة الفكرية معتداً برأيه، ولم يكن يقبل أن يكتب له أحد أو ينتحل ما أنتجه غيره من معرفة وأفكار.
إن البعض يسعى دوماً إلى تشويه الأفكار التى يختلف معها بالطعن فى أصالتها والتقليل من قدرات صاحبها، وحدث الأمر نفسه مع قاسم أمين حين قال البعض إن كتابه «تحرير المرأة» من تأليف الإمام محمد عبده، كما حدث مع طه حسين أيضاً حين قدح أعداؤه فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» وقالوا إنه من وضع أستاذه المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث.
وفى تقديرى فإن الأهم من هذا الجدل هو التركيز على الأفكار التى طرحها الكتاب، والتى لا تزال مهمة وحيوية وقابلة للنقاش، فى ظل عدم قدرتنا حتى هذه اللحظة على حسم معضلة الخلط بين الدين والدولة فى الإسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك