قبل دقائق قليلة من رفع أذان المغرب، يمتلئ جامع عمرو بن العاص في مصر القديمة بحركة هادئة تشبه طقوسًا يومية متكررة منذ قرون، صفوف من الصائمين يجلسون في الساحات ينتظرون لحظة الإفطار، وأصوات التلاوة تتردد بين الأعمدة الكثيرة التي تميز أول وأقدم مساجد مصر وأفريقيا، وفي الخارج تمتد موائد الإفطار لاستقبال الزائرين، بينما يواصل المصلون التوافد من مختلف المحافظات، بعضهم جاء خصيصًا لقضاء يوم رمضاني كامل في رحاب المسجد العتيق.
أول مسجد بُني في قارة أفريقياورغم مرور أكثر من 13 قرنًا على تأسيسه، لا يزال الجامع يحتفظ بمكانته كأحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في القاهرة، حيث يجتمع فيه التاريخ والعبادة والعلم في مشهد يتجدد كل عام مع حلول شهر رمضان.
وفي قلب المشهد الرمضاني، يواصل جامع عمرو بن العاص أداء دوره التاريخي كمنارة للعلم والعبادة، إذ تمتد أنشطته الدينية والعلمية على مدار العام وتزداد زخمًا خلال الشهر الفضيل.
ويقول الشيخ مصطفى عبدالسلام، إمام وخطيب المسجد، إن هذا الجامع يعد أقدم وأول مسجد بُني في قارة أفريقيا، وقد حدد قبلته الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه بمشاركة نحو 70 من خيار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جعل محرابه من أدق المحاريب في تحديد اتجاه القبلة.
ويضيف إمام الجامع أن كثيرًا من المساجد التي بُنيت لاحقًا في مصر استندت في تحديد قبلتها إلى بوصلة هذا الجامع العريق، الذي عُرف عبر التاريخ بعدة مسميات مثل المسجد العتيق وتاج الجوامع والأزهر قبل الأزهر، إذ استلهم الجامع الأزهر تصميمه وبنيانه من جامع عمرو بن العاص.
ويشير «عبدالسلام» إلى أن المسجد احتضن عبر العصور كبار العلماء، من بينهم الإمام الشافعي الذي درس وعلّم فيه، إلى جانب الشيخ العز بن عبدالسلام الذي كان له دور علمي بارز في أروقة الجامع، ما جعله منارة علمية يقصدها طلاب العلم من مختلف البلدان، أما في شهر رمضان، فيكتسب المسجد روحًا مختلفة، حيث يقصده الزوار من مختلف الجنسيات، وحتى السياح الأجانب الذين يأتون لمشاهدة عظمة هذا المعلم التاريخي.
ويوفر الجامع برامج دينية متنوعة، من بينها كتّاب للأطفال لتعليم القرآن الكريم وعلوم الدين، إضافة إلى برنامج ملتقى الفكر الإسلامي الذي يُعقد يوميًا بعد صلاة التراويح، ويشارك فيه أساتذة جامعات وعلماء دين لمناقشة قضايا فكرية ودينية معاصرة، ولا تتوقف الأنشطة العلمية عند شهر رمضان فقط، بل تستمر الدروس الدينية على مدار العام داخل أروقة المسجد، في امتداد لدوره التاريخي كمركز للعلم والتعليم.
ومع حلول العشر الأواخر من رمضان، تتضاعف أعداد المصلين بشكل ملحوظ، خاصة في ليلة السابع والعشرين التي تشهد أكبر حضور داخل المسجد.
ويقول «عبدالسلام» إن الاستعدادات لهذه الليالي تكون مكثفة، حيث تمتلئ ساحات الجامع والمناطق المحيطة به بالمصلين، لدرجة أن الشوارع الجانبية تتحول إلى امتداد لصفوف الصلاة، ويضيف أنه يتم تثبيت مكبرات صوت على أعمدة الإنارة في الشوارع المحيطة حتى يتمكن المصلون خارج المسجد من متابعة الصلاة، نظرًا للزحام الشديد داخل الجامع، كما يتم يوميًا توزيع نحو ألف وجبة إفطار للصائمين، إضافة إلى توفير وجبات السحور للمعتكفين خلال العشر الأواخر من الشهر الكريم.
ووسط الزحام في ساحات جامع عمرو بن العاص، لا تأتي جميع الوجوه بحثًا عن الصلاة فقط، فبعضها يحمل حكايات شخصية وذكريات قديمة تعيدها أجواء رمضان إلى الواجهة، وبين هذه الجموع يجلس أحمد زكريا، رجل خمسيني، وصل إلى القاهرة صباحًا لتلبية دعوة إفطار عائلية، بعدما أجبرته ظروف عمله بمدينة الغردقة بالابتعاد عن أحبابه، إلاَ أنّه فضّل أن يبدأ يومه بزيارة الجامع العتيق، يقول «زكريا»: «أنا بحب الجامع هنا لأنه بيحسسني برمضان، وبيفكرني بوالدتي الله يرحمها، كنت باخدها على طول نصلي الفجر ونقعد نتأمل في عظمة الخالق، النهاردة قلت أستغل الوقت بدل ما أضيعه في الكلام، وأتحرك قبل المغرب بساعة لبيت أقاربي قبل الإفطار».
ولا تقتصر أهمية جامع عمرو بن العاص على أجوائه الرمضانية أو دوره الديني فحسب، بل تمتد جذوره عميقًا في تاريخ مصر العلمي والحضاري، إذ شكّل عبر قرون طويلة مركزًا للتعليم وملتقى للعلماء وطلاب المعرفة، إذ قال الدكتور محمد حمزة، المؤرخ وخبير الآثار والتراث، إنَّ جامع عمرو بن العاص كان أول جامعة علمية في مصر قبل ظهور الجامع الأزهر، مشيراً إلى أنَ المسجد شهد عبر تاريخه تطورات عمرانية متعددة، إذ كان يضم نحو 49 زاوية علمية ارتفع عددها لاحقًا إلى 110 زوايا، وكانت هذه الأروقة تمثل مراكز لتدريس العلوم الدينية واللغوية وغيرها من المعارف.
وأضاف «حمزة» أن التحولات السياسية التي شهدتها مصر، خاصة في العصر المملوكي، انعكست على عمارة المسجد، كما أن أعمال التجديد المتعاقبة أفقدته كثيرًا من طابعه الأثري القديم، رغم احتفاظه بمكانته التاريخية كـ«تاج الجوامع».
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن الجامع كان لسنوات طويلة يشهد إقامة آخر صلاة جمعة في رمضان، وهو تقليد ديني كان يجذب أعدادًا كبيرة من المصلين إلى هذا الصرح الإسلامي العريق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك