بقلم الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريفتحتلُّ الأعياد في الإسلام منزلةً رفيعة، فهي ليست مجرّد مناسبات زمنية تتكرر، وإنما شعائر ربانية تحمل في طياتها مقاصد إيمانية وتربوية واجتماعية عميقة، ويأتي عيد الفطر المبارك تتويجًا لمسيرة شهر رمضان، ذلك الشهر الذي ربّى النفوس على الصبر والطاعة، ودرّب القلوب على الإخلاص والمراقبة، حتى إذا انقضت أيامه أذن الله لعباده بالفرح المشروع، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، فالفرح في العيد فرح بتمام النعمة، وشكر على توفيق العبادة، وليس خروجًا عن وقار الدين أو انضباطه.
وقد أراد الإسلام للأعياد أن تكون مظهرًا من مظاهر التوازن في حياة المسلم، فلا رهبانية تُقصي الفطرة، ولا انفلات يميت الروح والقلوب، بل بهجة للنفوس وسرور للقلوب، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العيد»: إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا«، تأكيدًا لخصوصية الهوية الإسلامية، وترسيخًا لمعنى الاجتماع على الفرح في إطار القيم والأخلاق؛ فالبهجة في العيد عبادة، والتوسعة على الأهل صدقة، وإدخال السرور على القلوب عمل صالح، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال»: أحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم«، فيتجلى البعد الإنساني العميق للأعياد في الإسلام.
ومن أعظم مقاصد العيد أيضًا توثيق الأخوّة ونبذ أسباب الشقاق، إذ لا يليق بأمةٍ أرادها الله شاهدة على الناس أن تمتلئ قلوب أبنائها بالحقد والضغينة والحسد والكراهية، و لهذا يأتي العيد فرصةً سنوية لمراجعة النفس، وتطهير الصدور، وتجديد العهد مع قيم التسامح والعفو، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على الإصلاح بين الناس، وجمع الكلمة، وإخماد نيران الخصومة، لأن قوة الأمة في وحدتها، وسلامة المجتمع في صفاء القلوب.
وتتجلى الحكمة الاجتماعية لعيد الفطر بوضوح في تشريع صدقة الفطر، التي جعلها الإسلام واجبة على القادر، لتكون جسرًا للرحمة والتواصل بين فئات المجتمع، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر »طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين«، فاجتمع فيها البعد التعبدي مع البعد الإنساني، لتتحقق بها كرامة الفقير، ويشعر الجميع بأن العيد فرحٌ مشترك لا يُقصى عنه أحد، وبهذا التشريع الراقي يؤكد الإسلام أن العبادة لا تكتمل آثارها إلا إذا انعكست رحمةً وعدلًا وتكافلًا في واقع الناس.
إن الأعياد في التصور الإسلامي ليست انفصالًا عن قضايا الأمة، بل هي دافع للأمل والعمل، وتجديد للعزيمة، وبعث لروح التفاؤل والثقة في وعد الله، وفي زمن تكثر فيه التحديات وتشتد فيه الأزمات، تظل معاني العيد رسالةً متجددة بأن هذه الأمة قادرة على النهوض متى تمسكت بقيمها، واجتمعت كلمتها، وأعلت راية الرحمة فوق رايات الفرقة والخصام.
وفي الختام، نتوجّه بالتهنئة القلبية الصادقة إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بمناسبة عيد الفطر المبارك، سائلين الله تعالى أن يتقبّل من الصائمين صيامهم، ومن القائمين قيامهم، وأن يعيد هذه الأيام المباركة على أمتنا بالخير واليُمن والبركات، وأن يعمّ السلام والوئام ربوع العالم، وأن يظل العيد مناسبةً جامعةً للقلوب، باعثةً للأمل، ومؤكدةً لوحدة المسلمين في كل بقاع الأرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك