انتهى الموسم الرمضانى الساخن، وها هم صناع المسلسلات التليفزيونية يسدلون الستار على تلك الأحداث التى شغلت الناس طوال الشهر الكريم، وقد أفرزت الأعمال الفنية هذه السنة مجموعة من الظواهر تستحق التوقف أمامها، لكننى الآن على الأقل أود التوقف أمام واحدة منها تتعلق بعودة مجموعة الأسماء إلى سابق حضورهم وتألقهم بعد غياب طال أو قصر، لكن وجودهم هذه السنة كان محسوساً للدرجة التى جعلتنا نتذكر غيابهم، من بين أبرز هؤلاء القادمين من بعيد كان الفنان الكبير طارق الدسوقى.
أعرف طارق الدسوقى منذ بداياته الفنية مطلع الثمانينات، التى تزامنت تقريباً مع بداياتى فى عالم الصحافة، وأعرف تماماً قدراته الفنية الكبيرة لا سيما مع بواكير بداياته القوية التى كانت تنبئ بممثل واعد منذ اشتراكه فى فيلم «العار» سنة 1982، ثم مشاركاته المتتالية فى أفلام مثل «السادة المرتشون، لا تسألنى من أنا، التعويذة»، وذلك بالتزامن مع حضور لافت فى العديد من الأعمال التليفزيونية، واستمر الدسوقى فى تواجده المحسوس ربما حتى عشر سنوات مضت، حين شارك فى الجزء الثانى من حلقات «قضاة عظماء» سنة 2017، وفجأة اختفى صديق البدايات من على الشاشات دون سبب واضح حتى وإن ظل وجوده قائماً فى الحياة الفنية مشاركاً فى لجان تحكيم بعض المسابقات أو عبر بعض المسلسلات الإذاعية من وقت لآخر، هل هو مثلاً ذلك الحظ العاثر الذى صادف أبناء جيله بأكمله مثل هشام سليم وممدوح عبدالعليم ومحمود مسعود وعبدالله محمود الذين تقولبوا سريعاً داخل إطار محدود من الأدوار لا سيما داخل الأعمال التليفزيونية، فأخذت السينما من معظمهم موقفاً غير مرحب؟ هل هو تقصير من جانبه وخطؤه فى إدارة موهبته؟ هل طالت معه فترات النقلات العمرية وسرقه الزمن حتى تجاوز مرحلة أدوار الشباب؟كل هذا جائز وصحيح، لكن الأكثر صحة أيضاً هو أن صناع الأعمال الفنية قد أخطأوا كذلك فى حق طارق الدسوقى، ولم يعطوا لموهبته ما تستحقه من تقدير، وضنوا عليه بفرص كان هو أهلاً لها، وأهدروا من عمره الفنى سنوات كانت كفيلة بأن تضعه فى مكان آخر على خريطة الدراما المصرية، لكن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التى تعاملت بوعى واحترام مع مثل هذه الحالات، ونجحت فى إعادتهم إلى بريقهم السابق كحالة كل من محمد رياض وأحمد عزمى -على سبيل المثال وليس الحصر- نجحت أيضاً فى هذا الموسم الرمضانى فى إعادة طارق الدسوقى إلى سابق تألقه وحضوره من خلال تجسيد دوره فى مسلسل «على كلاى» أمام أحمد العوضى و«درة»، تأليف محمود حمدان، ومن إخراج محمد عبد السلام.
لقد فاجأ الدسوقى مشاهديه بهذا الأداء العالى وهو يجسد شخصية المعلم منصور الجوهرى أحد كبار سوق قطع غيار السيارات، ليس فقط من خلال المظهر الخارجى للشخصية حين تخلى عن صورته المعتادة فى أذهان الناس، وبدا تماماً كرجل آخر غير الذى اعتدنا على رؤيته فى السابق، وإنما -وهو الأهم- من خلال فهمه لطبيعة الشخصية لرجل كانت له كلمة نافذة على السوق كله، فإذا بحصاد يده وسيره وراء زوجته القوية يحوله إلى رجل منكسر منزوع الكرامة والهيبة، لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال انهيار أسرته سوى الصراخ والاستسلام للواقع الجديد.
لقد استدعى الدسوقى وهو يؤدى هذه الشخصية كل خبرات السنين وتجاربه المتراكمة، واستوعب تلك التحولات الدراماتيكية فى شخصية منصور الجوهرى بين التجبر والانكسار، السطوة والخذلان، التحدى والانحناء، ضعفه أحياناً حيال أبنائه، وقسوته عليهم فى أحيان أخرى، وهو فى ذلك كله قادر على التعبير بالصوت والوجه والعينين على التعبير عن تلك التحولات المستمرة فى الشخصية، بل حتى عن تلك التحولات داخل المشهد الواحد.
وفى اعتقادى أن طارق الدسوقى بهذا الدور قد أزاح الغبار عن موهبته التى ظلت خاملة طوال العقد الأخير من عمره الفنى، وأعاد بفضل شاشة الشركة المتحدة طرح اسمه من جديد على خريطة فن التمثيل فى مصر، خاصة فى أدوار تلك المرحلة العمرية التى يعيشها والتى تشهد نقصاً واضحاً فى عدد الممثلين البارزين الذين يستطيعون أن يسدوا العجز المطلوب فيها.
وبعد، فقد فعلت الشركة المتحدة ما عليها وأعطت للفنان الكبير فرصة العودة من جديد، وفعل محمد عبدالسلام مخرج «على كلاى» ما عليه أيضاً فى تهيئة الأجواء كى يُظهر الدسوقى كل طاقاته الفنية، وهو ما فعله الممثل الكبير تماماً، وها هى الفرصة قد واتته، وعليه أن يتمسك بها، ولا يعاود اختفاءه الفنى من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك