أكتملت اليوم الخميس، خمس سنوات على رحيل الدكتور شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة الأسبق، وأحد أبرز العقول المصرية التي جمعت بين عمق علم النفس واتساع الأفق الثقافي، تاركًا وراءه إرثًا علميًا ونقديًا شديد الثراء، ما زال حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي العربي.
وُلد شاكر عبد الحميد سليمان في 20 يونيو عام 1952 بمركز ديروط في محافظة أسيوط، وبدأ رحلته العلمية بدراسة علم النفس في جامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس علم النفس عام 1974، ثم واصل دراساته العليا ليحصل على الماجستير في علم نفس الإبداع عام 1980، قبل أن ينال درجة الدكتوراه عام 1984 في التخصص ذاته، وهو المجال الذي أصبح لاحقًا عنوانًا لمشروعه الفكري.
لم يكن شاكر عبد الحميد مجرد أستاذ أكاديمي، بل كان صاحب رؤية متكاملة حول الإبداع بوصفه ظاهرة إنسانية معقدة، تتقاطع فيها النفس مع الفن، والعلم مع الخيال.
وقد شغل العديد من المناصب المهمة، منها أستاذ علم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون، وعميد المعهد العالي للنقد الفني، وعميد المعهد العالي للفنون الشعبية، كما تولى منصب نائب رئيس أكاديمية الفنون، قبل أن يصبح أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة، ثم وزيرًا للثقافة في فترة دقيقة من تاريخ مصر (2011–2012).
امتدت خبراته خارج مصر، حيث عمل أستاذًا في عدد من الجامعات العربية، منها جامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان، وجامعة الإمارات العربية المتحدة، وجامعة الخليج العربي بالبحرين، وأسهم في برامج تنمية الموهبة والإبداع، واضعًا خبرته في خدمة الأجيال الجديدة.
- إنجاز في المكتبة العربيةتميّزت مسيرته العلمية بغزارة الإنتاج وتنوعه؛ فقد ألّف عشرات الكتب التي أصبحت مراجع أساسية في مجالات علم النفس والنقد الفني، من أبرزها: «علم نفس الإبداع»، و«الأدب والجنون»، و«الحلم والرمز والأسطورة»، و«الفنون البصرية وعبقرية الإدراك»، و«الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي»، و«الفن والغرابة»، وصولًا إلى كتابه الأخير «الدخان واللهب» الصادر عام 2020، والذي تناول فيه العلاقة بين الإبداع والاضطراب النفسي.
كما ترك بصمة واضحة في مجال الترجمة، حيث نقل إلى العربية أعمالًا مهمة مثل «العبقرية والإبداع والقيادة»، و«سيكولوجية فنون الأداء»، و«قبعة فيرمير»، إلى جانب ترجماته في مجالات علم النفس والفكر الإنساني، ما أسهم في إثراء المكتبة العربية بنصوص مرجعية عالمية.
لم تقتصر إسهاماته على التأليف والترجمة، بل امتدت إلى مئات الدراسات والمقالات النقدية التي تناولت الأدب والفن والسينما، ونجح من خلالها في تقديم قراءة نفسية عميقة للنصوص الإبداعية، رابطًا بين العمل الفني وسياقه النفسي والاجتماعي.
حصد شاكر عبد الحميد عددًا من الجوائز الرفيعة، منها جائزة شومان للعلماء العرب عام 1990، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية عام 2003، وجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون عام 2012، ثم جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2017، وهي تتويج لمسيرة استثنائية.
رحل شاكر عبد الحميد في عام 2021، لكن أثره لم يغب؛ فما زالت أفكاره حول الإبداع، وعلاقته بالخيال والحلم والأسطورة، تلهم الباحثين والمبدعين، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم الإنسان في أعمق تجلياته.
في الذكرى الخامسة لرحيله، يبقى اسم د.
شاكر عبد الحميد حاضرًا كأحد أهم من درسوا الإبداع عربيًا، لا بوصفه مجرد ظاهرة فنية، بل كقيمة إنسانية كبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك