ها هى المنافسة الدرامية لرمضان هذا العام تضع أوزارها، نجح من نجح، تفوق من تفوق، ومن لم يحالفه الحظ يكفيه شرف الاجتهاد والمحاولة.
لا أفضّل أبداً كلمة «فشل عمل»، لأن كل عمل يحمل بين طياته مجهوداً كبيراً، بداية من الكتابة، ومروراً بالإخراج والتصوير والإضاءة واجتهاد الممثلين، وتعب وسهر ليالى طويلة من فنيين وفريق عمل تمنوا النجاح مثل غيرهم، أفضّل دائماً مقولة «عمل لم يحالفه النجاح أو الحظ».
لكن وسط هذه المنافسة القوية التى شهدتها الشاشة هذا العام ضمن خريطة قوية ممتلئة بالأعمال الجيدة أعدتها الشركة المتحدة للمشاهد المصرى والعربى برز الكثير من الأعمال التى لم يختلف عليها أحد، تنافست فيما بينها للحصول على الاهتمام الأكبر من المشاهدين.
عدد كبير من الكتاب الذين أبدعوا أفكاراً قريبة من الواقع، فكانت النتيجة أعمالاً احترمت عقول المشاهدين فاحتلت مكانة خاصة فى قائمة تفضيلاتهم، ومعهم مخرجون تميزوا برؤى متجددة وأفكار جريئة على مستوى الصورة صعدت بأعمالهم إلى عنان السماء من النجاح، ومبارزات تمثيلية بين الفنانين تُذكرنا دائماً بأن الفنان المصرى هو أصل الحكاية، وهو حل لغز الإبداع التمثيلى.
وسط كل هذا الزخم الفنى والمنافسة القوية برزت أمامى فكرة جديدة تخص تمثيل «الشر» على الشاشة، فمن المعروف عن الدراما أنها صراع أبدى بين الخير والشر، وانتظار الفائز فى الصراع منهما، لكن أكثر ما لفت نظرى هذا العام هو صعود وجوه جديدة فى عالم «الشر التمثيلى»، نجوم يعرفهم الجميع بطيبتهم الشديدة فى حياتهم الخاصة، لكن ذلك لم يمنعهم من الظهور بكامل ملامح الشر والبُغض الإنسانى التى لا يحبها أحد، ورغم أدوارهم المركبة إلا أنهم اتفقوا جميعاً فى صفة واحدة وهى «تمثيل الشر»، متبعين فيها مدرسة التمثيل الهادئ لتوصيل الرسالة دون اللجوء إلى الصراخ و«الحزق» لإثبات شرهم؛ اجتمعوا على فكرة أن الشر الحقيقى هو القدرة على إثارة الرعب فى نفوس المشاهدين بسبب أفعالهم وليس بسبب صوتهم العالى «وعروقهم البارزة بسبب الصراخ»، لذلك اخترت الحديث عن عدة تجارب لنجوم الشر الجدد على الشاشة، وأبدأهم بالشريرة الأعظم هذا العام الفنانة ريهام عبدالغفور التى تُقدّم واحدة من أجمل شخصياتها على الإطلاق «نرجس» فى المسلسل الذى يحمل الاسم نفسه «حكاية نرجس».
منذ بداية أحداث المسلسل لم ترفع ريهام صوتها مرة واحدة، خدعت زوجها وأقنعته بأنه غير قادر على الإنجاب، وتسبّبت فى قتل «حماتها»، خطفت طفلين وادّعت أنهما ولديها، اشتركت مع زوج شقيقتها فى عمل تنظيم عصابى لخطف الأطفال وبيعهم.
كل تلك الأفعال الشيطانية ولم ترفع صوتها مرة واحدة لإثبات أنها إنسانة شريرة وغير سوية، بل على العكس عندما تم القبض عليها لتواجه نتيجة أفعالها الشيطانية قالت للمُحقق بثقة متناهية: «أنا ليّا حق عند الحكومة»، وكأنها ما زالت تُصر على براءتها من التّهم الموجّهة إليها.
تحول وجه ريهام عبدالغفور على الشاشة إلى وجه مرعب، نظرتها تحولت إلى «تريند» على السوشيال ميديا للتعبير عن الشر، لكنها لم تُفكر يوماً فى اللجوء إلى الأفعال الصبيانية التى يلجأ إليها عدد من المخرجين أو الممثلين والممثلات من الصوت العالى لإثبات أنهم «أشرار».
ثانى الأشرار الذين أعتبرهم نموذجاً يُحتذى به لتقديم مثل هذه النوعية من الشخصيات هو الفنان طارق لطفى الذى يعرف الجميع أن له من اسمه نصيباً، فهو فنان لطيف هادئ مجامل طيب لأبعد الحدود لم يتورط مرة فى مشكلة من أى نوع منذ بداياته فى عالم التمثيل، جاء هذا العام حاملاً شراً من نوع مختلف فى شخصية «بدر أباظة» فى مسلسل «فرصة أخيرة»، رجل الأعمال الذى يسعى بكل الطرق المحرّمة وغير المشروعة لإنقاذ شقيقه الأصغر من تُهمة قتل صديقته، ومن أجل ذلك فعل كل ما يمكن أن يوصف بالشر المطلق، من محاولة تقديم كبش فداء لشقيقه، وعندما فشلت حيلته قام بخطف حفيدة القاضى المسئول عن القضية، المستشار «يحيى الأسوانى»، الذى يجسّد شخصيته الفنان الكبير محمود حميدة، وصولاً إلى تورّطه بالتسبّب فى مقتل الحفيدة، حروب وصراعات يخوضها «بدر» طوال أحداث المسلسل، ولكن رغم ذلك لم يلجأ مرة واحدة لاستخدام نبرة صوت عالية أو «الحزق» للتعبير عن ضيقه من عدم سريان الأمور بالشكل الذى يخطط له، ورغم وضوح الصورة بشكل كبير من خلال تعامله مع مجرمين فى أعمال غير قانونية، فإن هذا النموذج من الشر يُحسب لطارق لطفى تقديمه بهذا الشكل المتميز رغم أنها ليست المرة الأولى التى يقدّم فيها نموذج الشرير على الشاشة، حيث قدّمه من قبل فى شخصية «خلدون» أو الشيطان فى مسلسل «جزيرة غمام» منذ أربع سنوات، إلا أن قدرته على التنوّع فى تجسيد شخصية الشرير بأشكال مختلفة هو الأمر الذى يُحسب له ويضعه على رأس قائمة الأشرار الجُدد على الشاشة.
نموذج آخر من الأشرار الجّدد جسّده الفنان محمد علاء «جاميكا» فى المسلسل الذى يحتل مكانة متقدّمة جداً فى تفصيلات جمهور الدراما هذا العام «عين سحرية»، فبجانب التألق منقطع النظير لبطلى المسلسل عصام عمر وباسم سمرة، وتقديمهما أدواراً من المؤكد كتابتها فى تاريخهما بأحرف من ذهب، فإن شخصية «شهاب الصفطاوى» المحامى الذى يدير عدة أعمال مخالفة للقانون ويتورّط فى الكثير من الجرائم، مثل القتل وتجارة دواء إما أنه فاسد، وإما لم تتم تجربته والتصريح به من وزارة الصحة، بجانب الكثير من الأعمال الإجرامية الأخرى، فجاء أحد الأدوار صاحب التأثير الكبير فى نجاح العمل، حيث كان يمثل طوال الأحداث الجانب الشرير فى الصراع، خصوصاً مع محاولة المحامى «زكى» الإيقاع به بعدما تورّط فى سجنه عشرين عاماً بسبب خيانته له.
وجاء محمد علاء ليُجسد نموذجاً جديداً من الشر القائم على القوة والسلطة والقدرة على التحايل على القانون بصفته محامياً، دون اللجوء فى أىٍّ من مشاهد العمل إلى الصراخ حتى فى أقصى المواقف الصعبة.
فعلى العكس كانت ابتسامته وحدها فى أوقات الانتقام كفيلة بإثارة الرّعب فى أحداث المشهد.
وللحقيقة فقد أجاد محمد علاء إلى أبعد حد فى أداء الشخصية وعبر بها إلى بر الإقناع، مما أسهم بشكل كبير فى أن يكون أحد أضلاع النجاح فى مسلسل «عين سحرية»، أحد أهم الأعمال التى حقّقت نجاحاً فى دراما رمضان هذا العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك