لم تكن سحابة البيانات، حينما انطلقت فكرتها قبل سنوات، مجرد استعارة تقنية، بل كانت وعداً بالخلاص الإنساني من محدودية تخزين البيانات؛ فضاءً متعالياً على الحدود.
لكنّ هذا الوعد لفظ أنفاسه الأخيرة حين تآخت “الخوارزمية” مع “البذلة العسكرية”.
اليوم، لم تعد التقنيات مجرد مساعد للإنسان، بل استحال “ترساً” في آلة الحرب، وشريكاً في صياغة الفواجع البشرية تحت مسميات “التحليل الاستخباراتي” و “تحسين اللوجستيات”.
دخلت دول متضادة حرب المعلوماتية بطريقة غير مباشرة، لتتيح للمتحاربين تقنيات مجانية، تعوضها عما لا تستطيع استخدامه من تقنيات الخصم.
حين تفتح الشركات أبوابها لوزارات الدفاع، على جانبي الحرب، فإنها لا تبيع كوداً برمجياً، بل تبيع “وعياً اصطناعياً” يُستخدم كوقود لمحركات التدمير.
إنّ التحول الذي طرأ على شركات كانت تتغنى بالأمان والحياد ليس مجرد تغيير في “سياسة الاستخدام”، بل هو زلزال وجودي لبنية الإنترنت.
إنّ الانتقال من “معالجة البيانات” إلى “تخطيط العمليات” هو الخطيئة الكبرى التي نقلت النموذج اللغوي من خانة المساعدة العامة إلى منظومة الاستهداف، حتى وإن غُلفت هذه الصياغات بمفردات الدعم الإداري الرشيقة.
المعضلة الكبرى التي نواجهها هي “الاستخدام المزدوج”.
هذه الازدواجية حولت مراكز البيانات القابعة بجوار بيوتنا وبيت أشقائنا في الخليج العربي، من منشآت مدنية إلى أهداف استراتيجية مشروعة في عرف الحروب المعاصرة.
لقد أُقحمت البنية التحتية المعلوماتية في ساحة المعركة رغماً عنا، ودون اختيار واعٍ منا، فاستحالت أحلام “اليوتوبيا الرقمية” التي سادت في التسعينيات إلى “ديستوبيا” واقعية؛ حيث يُمكن للسيرفر الذي يحفظ صور أطفالنا أن يكون ذاته المحرك الذي يحلل إحداثيات غارة في الطرف الآخر من الكوكب.
نحن نعيش اليوم دوي “انفجار نووي معلوماتي” صامت.
فالعسكرة لم تعد تقتصر على السلاح المادي، بل امتدت لتسميم شرايين المعلوماتية.
لقد استُبدلت لغة التعاون العالمي بلغة “السيادة التكنولوجية” و “سباق التسلح الخوارزمي”، ما يسرع بوتيرة نهاية الزمان الرقمي الذي عرفناه.
إنّ العالم لا يحتاج لمزيد من النماذج اللغوية العملاقة بقدر حاجته لحركة “سلام أممية جذرية”؛ حركة تسعى لنزع السلاح من المعلوماتية قبل أن تلتهم الآلة صانعها.
لا بد من صرخة تقطع هذا الصمت المطبق، ترفض تحويل “الإنترنت” من فضاء للمعرفة إلى خندق للقتال.
لقد حان الوقت لندرك أن الذكاء التقني الذي لا يخدم السلام، ليس ذكاءً بل هو محض وحشية مغلفة بالكود.
بذور العسكرة كانت كامنة منذ البدء، لكن ما نشهده الآن هو تفتح أزهارها السامة.
استمرار هذا النهج ليس مجرد خطر تقني، بل هو تهديد للجوهر الإنساني، فالحرب التي تُدار بتقنيات ذكية وبلا ضمير، هي حرب بلا وجه، وبلا ندم، وبلا طريق للعودة.
* كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك