أمهات حملن هموماً لا تُرى بالعين، وأرقاً لا يُحصى بالليالي الطويلة، وأحلاماً لم تكتمل إلا بالصبر والمثابرة، عشن تجربة مليئة بالتحديات من اكتشاف المرض إلى التعامل مع الصعوبات اليومية، ومواجهة نظرات المجتمع وقلة الدعم، وعلى الرغم من ذلك فإن قلوبهن لم تفقد الأمل، لذا أردن أن يخففن عن أقرانهن من تكرار المعاناة ذاتها، ودشن مبادرات للتوعية بمرض التوحد وكيفية التعامل معه.
رحلة الألم مع مرض التوحد بدأت مع المهندسة دينا محمد، منذ أن أكمل طفلها العامين من عمره، وواجهت العديد من الصعوبات والتحديات، فلم تجد من يوجهها للطريق الصحيح فى التعامل مع ابنها «مصطفى»، خاصة أنها كانت تشاهد البعض يتعامل مع مرض التوحد كوحش غامض: «وقعت كتير خلال رحلتى مع ابنى ماكانش فيه حد بيقول كلمة صح ولا أتعامل إزاى، لأنه بيكون حساس جداً والمواقف معاه مش أى حد هيتقبلها» وفق حديثها لـ«الوطن».
على مدار سنوات اكتسبت «دينا» خبرة كافية للتعامل مع اضطراب مرض التوحد، لذا أرادت أن توظف خبرتها فى دعم الأمهات وتقديم التوعية الكاملة فى المعاملة مع الأطفال: «لما ابنى اتشخص بمرض التوحد، كانت مفاجأة بالنسبة ليّا خاصة إنى معرفش يعنى إيه المرض ده، وكنت بجرب كل دكتور شوية عشان أشوف ابنى زى الأطفال الطبيعية، ومن وقتها بقيت أقرأ وأتعلم عن المرض» حسبما ذكرت.
وجدت والدة مصطفى ذاتها طوق نجاة لأمهات أطفال التوحد، وعبر مبادرتها «حبات اللؤلؤ» وثقت طرق التعامل مع أطفال التوحد منذ بداية ظهور الأعراض وحتى بداية الرحلة العلاجية، فالتعامل مع سلوكيات أطفال التوحد وحل مشاكلهم، خاصة أنهم يحتاجون إلى تأهيل وتكثيف، لم يكن سهلاً على الإطلاق، «قدرت أتغلب على كل المعوقات اللى واجهتنى عشان أخلى مصطفى يتعامل مع الكل زى باقى الأطفال».
مبادرة «حبات اللؤلؤ» عبارة عن سلسلة من الفيديوهات والمنشورات التى تعبر عن مشكلات أطفال التوحد مع أسرهم أو المجتمع، لتقديم المساعدة والنصائح اللازمة للتعامل مع مرضى التوحد، فضلاً عن كيفية تلقى العلاج الصحيح، وتأهيله للانضمام فى المجتمع، والتعامل مع المواقف الصعبة: «فيه أمهات كتيرة بتكلمنى عشان تعرف تتعامل مع ابنها فى مواقف معينة لو أنا متكلمتش عنها فى الفيديوهات، والحمد لله قدرت أوصل لعدد كبير من الأمهات للتوعية بالمرض وطرق التعامل معه».
معاناة من البحث والتعلم، عاشتها أسما عبدالعظيم، منذ اكتشافها مرض ابنها باضطراب التوحد، فهى لم تكن على دراية بما يمر به «محمد» صاحب الـ19 عاماً، كل طبيب كان له تشخيص مختلف عن الآخر حتى توصلت إلى تشخيص دقيق لعلته، «ماكنتش عارفة إن محمد عنده توحد، بقيت أواجه صعوبة فى التعامل معاه، وأسأل وأوديه جلسات، وأنا كنت باخد جلسات عشان أتعامل معاه بطرق سليمة وتريحه».
بعد سنوات من المشقة ومواجهة الصعوبات والتحديات، قررت «أسما» تكريس خبرتها لأمهات أطفال التوحد فى التعامل معهمحتى قبل تشخيص الاضطراب: «فيه ناس بتستغل جهلنا بالاضطراب عشان ياخدوا فلوس وبس، وده كان سبب إنى أعمل أكاديمية (بسمة أمل) للتوعية بالمرض، والحمد لله كان لها صدى وخاصة فى منطقتى، وفيه ناس كتير استفادوا منها»، مشيرة إلى أنها وصلت بابنها لحصد البطولات فى السباحة.
بينما الأمر مع ريهام عبدالفتاح السلينى كان مختلفاً وصعباً، فهى واجهت اضطراب التوحد، الذى وصفته بـ«وحش التوحد ذو المخالب الفتاكة» بعد إصابة طفليها شريف وعلى، بإنشاء جمعية «دارنا لذوى الإعاقة»، «أطفالى كانوا طبيعيين جداً بعد ولادتهم، لحد ما كملوا سنة ونص وبدأت تظهر عليهم الأعراض، ومن هنا بدأت رحلتى مع اضطراب التوحد غير ناطقين» وفق تعبيرها، مشيرة إلى أن الأعراض تمثلت فى الشرود، ونسيان المهارات، والعزوف عن التجمع الأسرى.
سنوات طويلة من المعاناة مع إصابة الطفلين باضطراب التوحد، عاشتها «ريهام» حتى تتمكن من الفهم الدقيق لمرضهما والتعامل معه وفقاً للمعايير: «من عام 2001 اكتشفت إصابة (شريف) بمرض التوحد ومن بعدها أخوه الصغير (على)، عانيت سنين طويلة حتى توصلت لمعنى دقيق للى مريت به مع أولادى».
أنشأت «ريهام» الجمعية، لتوعية أمهات الأطفال بمعنى التوحد وكيفية التعامل معه، فهو اضطراب لا يوجد له علاج شافٍ، ولكن جلسات مكثفة من التخاطب، وتعديل السلوك وكيفية التعامل فى المنزل والسلوكيات العامة.
«فرغت نفسى تماماً لرعايتهما، حتى فقدت (شريف) قبل سنوات، وظلت رعايتى لـ(على) وأطفال الجمعية اللى اعتبرتهم بمثابة أولادى، وبقيت أعلمهم كل حاجة بنفسى» قالتها ريهام.
إدخال السعادة على قلوب أطفال التوحد، ودمجهم فى المجتمع بشتى الطرق حتى يعتبروا أنفسهم مثل أقرانهم الأسوياء، هدف تسعى «ريهام» إلى تحقيقه بكل ما أوتيت من قوة، لذلك لا تبخل بأى جهد فى سبيل تخفيف معاناة أمهات أطفال التوحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك