أعادت مشاهد قصف طهران ومدن إيرانية أخرى في بداية الحرب الجارية إلى الأذهان، ما سمّي «الصدمة والترويع» في 2003.
حين شنت الولايات المتحدة آنذاك حربها الثانية ضد العراق تحت تسمية «عملية حرية العراق».
كانت مشاهد الموت والدمار على البشر والحجر في بغداد مؤلمة.
وإذا كان صوت القنابل والصواريخ مروعاً لأولئك الذين تسقط فوق رؤوسهم وبيوتهم، فإنه «موسيقى» تُطرِب الأسماع لبعض من في الشتات.
هذا ما كتبه كنعان مكية في 2003 في مجلة «نيو ريبابلك» رداً على أصدقائه الأمريكيين، الذين كتبوا يعبرون له عن أسفهم.
كان مكية قد قال في 2002، إن الحرب قد تكون في نهاية المطاف «قوة للخير في المنطقة» ووعد الأمريكيين أن يستقبلهم العراقيون بالورود والحلوى.
حين سقطت بغداد تحت الاحتلال رقص بعض العراقيين وغنوا فرحاً بسقوط النظام السابق في مدينة ديترويت، مثلما رقص بعض الإيرانيين الأمريكيين في مدينة لوس أنجلس وغيرها، بعد بدء القصف الأمريكي الإسرائيلي.
توقف الرقص لكن القنابل ما زالت تسقط.
ولا شيء سوى العويل والدموع قرب القبور في إيران ولبنان.
والصمت في قلبها.
كان بالإمكان تفادي هذه الحرب الأخيرة ضد إيران.
وأعلن وزير خارجية عمّان عن التوصل إلى حل، لكن إسرائيل وأمريكا كانتا قد اتخذتا القراركان هناك من عارض الحرب من عراقيي الشتات، ومن أولئك حتى من كانوا من ضحايا النظام وبطشه، لأن الثمن كان باهظاً.
فالحرب كانت ستفكك دولة منهكة، وستعرّض شعباً أنهكه الطغيان والحروب والحصار لأهوال جديدة، ومزيد من الخراب.
ولكن كان هناك من شكر بوش وبلير على كرمهما.
وقع أكثر من 150 مثقفاً عراقياً رسالة شكر! ولم يندم الذين خططوا للحرب وقرروا شنها حتى بعد سنوات وبعد تراكم الكوارث التي سببتها.
حين سئل دك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، هل كان سيغير قراره لو عرف ما عرف، أكّد أنه ليس نادماً وأنه سيشن الحرب مرة أخرى.
أما بوش فقد تباهى في 2008 بأنه «حرر الملايين من البربرية».
بالإمكان «تحرير» البرابرة ولكن لا يمكن أن يسمح لهم بامتلاك التكنولوجيا المتطورة.
وحدها إسرائيل، وهي الدولة الأكثر بربرية في العالم اليوم يسمح لها بامتلاك السلاح النووي.
لم يكن مهماً البتة أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار في 2003.
أصبحت هذه الكذبة والذريعة التي شنت من أجلها الحرب نكتة.
أضحك بوش جمهوره في العشاء السنوي لصحافيي البيت الأبيض حين تظاهر بأنه يبحث عن أسلحة الدمار الشامل.
وضحك الصحافيون الذين ساهم معظمهم في شرعنة الحرب والتطبيل لها بدرجات مختلفة.
كان بالإمكان تفادي هذه الحرب الأخيرة ضد إيران.
وأعلن وزير خارجية عمّان عن التوصل إلى حل، لكن إسرائيل وأمريكا كانتا قد اتخذتا القرار.
ومن المهم الإشارة إلى ما ذكره مسؤول بريطاني كان مشتركاً في المفاوضات عن أن مبعوثا ترامب للمفاوضات، ويتكوف وكوشنر، كانا يتصرّفان وكأنهما عميلان لإسرائيل.
وهكذا فالبرنامج النووي الذي ادّعى ترامب أنه دمّره كلياً في يونيو 2025، يجب أن يدمّر من جديد.
ويذكّر هذا بمقولة معروفة من رواية «1984» لجورج أورويل.
«أمرك الحزب أن تكذّب الأدلة التي رأيتها بعينيك وسمعتها بأذنيك».
لكنها حرب من أجل الحرب، كما يقول جفري ساكسبدأت الحرب التي تباهى وزير الحرب الأمريكي أن قوتها كانت ضعف «الصدمة والترويع» بمذبحة حين قصفت الولايات المتحدة مدرسة بنات وأزهقت أرواح 180 بنتاً احترقت جثثهم بفعل الأسلحة التي استخدمت.
ذكرني ذلك بقصف ملجأ العامرية في بغداد في 13 فبراير 1991 حين أحرق صاروخان أمريكيان 400 مدني عراقي.
اتهم ديك تشيني، الذي كان وزير الدفاع آنذاك، النظام العراقي بوضع المدنيين في مواقع عسكرية.
بحلول 2003 وحربها لم تعد هناك حاجة لإحصاء الضحايا المدنيين.
قال الجنرال تومي فرانكس، حين سئل عن الضحايا: نحن لا نحصيهم.
أعاد ترامب تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب.
أثناء احتلال العراق كانت المؤتمرات الصحافية لوزير الدفاع في عهد بوش، دونالد رمسفيلد، تحفل بتهويمات عجيبة ومقولات شبه سريالية.
لكن رامسفيلد يبدو اليوم كما لو كان فيلسوفاً حكيماً، إذا ما قورن بوزير الحرب الحالي، بيت هيغسيث، الذي يشبه رامبو ولكن مرتدياً بدلة ضيقة.
وصاحبنا حارب في العراق، وهو مسيحي إنجيلي وصهيوني متطرف.
«سنحرقهم» قال عن الإيرانيين ووعد بـ «موت ودمار من السماء طوال اليوم» وتفاخر بشراكة الولايات المتحدة مع الجيش الإسرائيلي.
وأكد أن هذه الحرب تختلف عن 2003 «فلا بريمر (إشارة إلى حاكم العراق) ولا مشروع بناء دولة.
ويا لها من دولة بنوها.
يضرب فيها المثل في الفشل والفساد والسرقات.
لم تشترك إسرائيل بشكل مباشر في غزو واحتلال العراق في 2003، لكن الأمريكيين الصهاينة من داعمي إسرائيل كانوا من المخططين والداعمين لمشروع احتلال العراق منذ أوائل التسعينيات.
وقدم نتنياهو مداخلة أمام الكونغرس تحدث فيها عن «فوائد» شن الحرب على العراق.
وحتى قصف إيران ليس مشروعا جديداً.
حتى أن السيناتور جون مكاين، الذي كان يعتبر من عقلاء الحزب الجمهوري والذي يحن إليه الكثير من الجمهوريين، اقتبس في 2007 أغنية مشهورة وحورها ذات يوم وغنّى «اقصف، اقصف، اقصف إيران».
في الأسبوع الماضي أخذ مسار القصف ضد إيران يشبه حرب الخليج الأولى في 1991 حين دمّرت الولايات المتحدة وحلفاؤها البنية التحتية للعراق وأعادته إلى «ما قبل العصر الصناعي».
في لبنان، هجّرت البربرية الإسرائيلية مليون لبناني، وقتلت أكثر من ألف، من بينهم 111 طفلاً أي بمعدل 30 طفلا كل يوم.
كما ذكر أحدهم: إسرائيل تقتل صفاً كاملاً كل يوم.
الصهاينة يطبّقون أساليب الإبادة الوحشية التي رأيناها في غزّة.
ليس هناك غطاء دولي لهذه الحرب مثل الحروب السابقة، ولكن من وما الذي سيوقفها؟ ضربت أمريكا وإسرائيل رقما قياسيا بالبلاد التي قصفتها في السنين الأخيرة.
وروما وإسبارطة الآن تشنان حرباً لـ «إعادة ترتيب» (أي الإمعان في تدمير) المنطقة والعالم.
عالم راقبهما ترتكبان الإبادة في غزّة لأكثر من سنتين.
عالم يتواطأ مع البربرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك